سورية أرض الخراب والمحرقة : ليس هناك من يتناول مآل المكتبات العامة والخاصة بعد هذه السنوات
سوريتي -
لا يملك أحد جواباً شافياً عما تبقى لسورية من مكتباتها. ليس هناك من يتناول مآل المكتبات العامة والخاصة بعد هذه السنوات. فالبراميل المتفجرة وصواريخ الطائرات وقذائف المدفعية لم تترك حياً في مدن سورية إلا وطاولته بحممها. وحتى اللحظة لم يقم أحد أو جهة دولية أو محلية بجولة على محافظات القطر يستعلم عما أصاب المكتبات العامة والخاصة، لذلك يبقى الوضع الفعلي شبه مجهول، وإن كان مفتوحاً على توقع الكارثة، باعتبار أن تبادل السيطرة على المدن قبل الموجة الأخيرة التي أعادت سيطرة النظام على معظم الأجزاء، كان يرافقه قصف مكثف لا يرحم بشراً أو كتاباً أو حجراً. هذا جانب، أما الجانب الموازي خلال تلك الحروب، فيتمثل بفقدان قيمة الكتاب على نحو كلي، إذ يعلو شأن السلاح والرصاص وينحدر دور وفعالية الكلمة. ومع الحصارات التي تعرضت لها المدن وفقدان المحروقات ووسائل التدفئة جعل المقاتلين، سواء أكانو نظاميين أو غير نظاميين، وما عثروا عليه من كتب وأوراق مجرد حطب لنيران هم بأمس الحاجة إليها للتدفئة أو الطبخ أوما شابه. وعليه يمكن الجزم أن ثروات ثقافية وفكرية وتاريخية التهمتها نيران المحرقة. خصوصاً وأن القذائف لم ترحم أبداً المراكز التي تحوي مثل هذه المواد سواء أكانت دوائر حكومية أو مركزاً علمياً أو دينياً. هكذا فقدت البلاد جزءاً ثميناً من تراثها الثقافي، والجرافات عندما تأتي غداً عندما يحل موعد الإعمار لن تتوقف هنا أو هناك ليدقق مرافقون في الأوراق المبعثرة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عندها ستختلط الصفحات بالأنقاض وتذهبان معاً إلى المكبات. مع ذلك يمكن رسم صورة بانورامية بناء على معلومات متقاطعة تفيد أن المكتبات العامة والأكاديمية في العاصمة دمشق قد نجت من طوفان النار إلى حد ما، مع العلم أنها خلال السنوات المنصرمة انقطعت عن رفد مجموعاتها بالمزيد من الكتب والدوريات، هذا إذا لم نتحدث عن تحلل إداري داخلها أفقدها قسماً من موجوداتها. الصورة الكارثية ترسم تفاصيلها ما أن تخرج إلى الضواحي في الغوطة الشرقية والغربية، وكذلك المدن الرئيسية كحمص وحلب وإدلب ودير الزور ومعرة النعمان والباب والسلمية ودرعا وعشرات غيرها. فقد تحولت الكثير من أحياء هذه المدن وخصوصاً التاريخية منها إلى أكوام من الأنقاض بما تحتويه من مكتبات ووثائق سواء أكانت مملوكة لأفراد أو جهات رسمية أو دينية أو ثقافية. والحصيلة هي خسارة كنوز لا تقدر بثمن. وكي تكتمل صورة المشهد الكارثي، لا بد من التعريج على ما يرافق حالات الحروب والفوضى الشاملة من نهب للموجودات. إذ يقوم المقاتلون أياً كانت هوياتهم بنهب مقتنيات المكتبات العامة وبيعها في السوق السوداء المتاحة داخل البلاد وخارجها. وغالباً ما تطاول هذه العملية المخطوطات النادرة والكتب الثمينة. ولعل بعض التجار الذين يقومون بشراء تلك المقتنيات يكلفون الفرق المسلحة بالسطو عليها وإحضارها. والكارثة الكبرى لا تقف عند حدود القصف الروسي السوري المدمر، بل يكتمل بعمل الجماعات التكفيرية في "تطهير" المكتبات العامة مما تقتنيه من "أفكار شيطانية" عبر إحراق الكتب والمواد التي لا تتلاءم مع معتقداتها. فقد جعل هؤلاء من أنفسهم قضاة وأصدروا الأحكام ونفذوها دون تمييز أو استئناف. فالمراكز الدينية التي استبيحت وفجرت بوصفها مقامات الأولياء والقديسين والتكايا والزوايا الصوفية كانت كل منها تقتني معارف بالغة الأهمية للدارسين والمؤرخين. والشواهد أكبر من أن تحصى بعد أن تحولت سورية بتنوعها وتعددها إلى أرض خراب يعبق فيها دخان التعصب والقتل. *باحث وأستاذ جامع زهير هواري

إقرأ المزيد