موازين قوى صاروخية في الشرق الأوسط وآسيا
أورينت -
نشرت صحيفة لوفيغارو الفرنسية مقالاً بعنوان: موازين قوى "صاروخية" في الشرق الأوسط وآسيا، نقلته عنها صحيفة الحياة اللندنية هذا نصه: 

من الشرق الأوسط إلى الشرق الأقصى، الصواريخ التقليدية أو النووية، هي جسر القوى النامية إلى تعزيز نفوذها وجبه قوة الغرب. فإيران تطور صواريخ باليستية وتمد أتباعها، «حزب الله» اللبناني والحوثيين في اليمن، بها. وأنقرة اشترت درع الصواريخ «أس400» من روسيا، والمنظومة هذه لا تتماشى مع أنظمة «الأطلسي». وكوريا الشمالية تتحدى العالم وتجري اختبارات باليستية. وتنشر روسيا صواريخ قادرة على بلوغ أوروبا الغربية، وتنتهك اتفاق 1987 السوفياتي– الأميركي، ومداره على القوى النووية المتوسطة المدى.

وسواء كانت الصواريخ طويلة المدى أو قصيرة المدى، قادرة على حمل رؤوس نووية أو إصابة هدف تقليدي، يرسم مسارها معالم توازن قوى عالمي جديد. وهي تكرس نفوذ قوى مثل روسيا وإيران وتركيا... إلخ. وفي المرحلة الأولى من انتشار الصواريخ الباليستية، كان الاتحاد السوفياتي في الحرب الباردة يمد بها الحلفاء السياسيين والأصدقاء، أي الأنظمة الحليفة. ومذ ذاك، تطور هذا القطاع الصناعي، وتغيّر. وطوال وقت طويل، كانت هذه الصناعة حكراً على القوى الكبيرة. ولكن اليوم صناعة الصواريخ الطويلة المدى هي في متناول عدد من الدول. وحيازة برامج باليستية تطعن في قوة الغرب. وهي مرآة تغيرات استراتيجية تهز العالم منذ مطلع 2000.

وعلى رغم سعي المجتمع الدولي إلى مكافحة الانتشار النووي، بريق القنبلة النووية لم يخبُ بعد. فإثر العراق وليبيا وأوكرانيا، وهذه دول اجتيحت أو هوجمت إثر تخليها عن ترساناتها، خلصت القوى النامية إلى أن السلاح الذري والصواريخ هما أمثل سبيل إلى تحصين الواحدة منها إقليمها وحماية النظام ونجاته. وفي وقت ترغب الولايات المتحدة في الانسحاب من الساحة الدولية، وينبعث دور روسيا في الديبلوماسية العالمية، وتنشغل أوروبا بمشكلاتها الداخلية من «البريكزيت» (انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي) إلى أزمة المهاجرين، ويتواجه السنّة والشيعة في الشرق الأوسط، تشد عدد من الدول حبال هذه القوة. والانتشار لا يقتصر على الأسلحة النووية بل يشمل كذلك الصواريخ التقليدية، القصيرة والطويلة المدى على حد سواء. وتعاظم عدد الصواريخ هذه في الشرق الأوسط على أبواب أوروبا هو مشكلة جديدة تجبهها الجيوش الغربية.

وتستثمر روسيا استثمارات ضخمة في البرامج الصاروخية، التقليدية والباليستية، منذ قررت استعادة مكانتها قوة كبرى وتعديل البنية الأمنية الأوروبية، فهي ترى أن البنية هذه تخالف مصالحها. والجيش الروسي، وتدعمه موازنة عسكرية متعاظمة، يجري التجارب الواحدة تلو الأخرى. والتجربة الأخيرة تعود إلى الشهر الماضي، حين إطلاق صاروخ عابر للقارات «توبال»، مزود برأس متفجر قادر على جبه النظام الأميركي المضاد للصواريخ. و2017 هو كذلك عام نشر روسيا في جنوبها صواريخ «أس أس سي8»، القادرة على حمل رؤوس نووية وهي موجهة إلى أوروبا الغربية. 

ونددت واشنطن بانتهاك المعاهدة الأميركية – السوفياتية المبرمة في 1987 والتي كانت وراء إبعاد خطر القوات النووية المتوسطة المدى في الحرب الباردة. فهذا الاتفاق طوى أزمة الصواريخ التي اندلعت إثر نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية متوسط المدى «أس أس20»، تهدد عواصم أوروبا الغربية. 

وينظر «الناتو» بعين القلق إلى خطوات تحاكي الحرب الباردة، على رغم أن روسيا ترى أنها ترد على انتهاك أميركا الاتفاق فحسب، من طريق نشر عناصر من درعها الصاروخية في رومانيا وقريباً في بولندا. ويبعث على القلق في أوروبا نشر الأنظمة الصاروخية الدفاعية والهجومية على حدودها. ويتكاثر أكثر فأكثر عدد دوريات الغواصات الروسية في المحيط الأطلسي. ويقيد نقل بطاريات صواريخ الجو- أرض «أس300» أو «أس400» إلى كاليننغراد، وإلى روسيا البيضاء وشرق المتوسط، قدرة القوى الغربية على بلوغ هذه المناطق. فالأنظمة الصاروخية التي نشرت في سورية إثر التدخل الروسي لحماية مراكز قوة النظام، قلّصت هامش التحالف الدولي المكافح لداعش في المناورة الجوية. والأنظمة الصاروخية الروسية تعرقل حرية حركة القوى الغربية، وتؤثر سلباً في قرارات خصومها (خصوم روسيا) السياسية. وهذه الحال في الشرق الأوسط، وفي جمهوريات سوفياتية سابقة مثل أوكرانيا أو جورجيا.

ومشروع شراء أنقرة منظومة صواريخ «أس400» الروسية هو الحلقة الأخيرة من حلقات الاستفزاز الروسي والتركي للقوى الغربية: ويقضي المشروع هذا بتزويد روسيا تركيا في 2020، 4 بطاريات صواريخ «أس400». فتتسلح أنقرة بنظام صاروخي غير «أطلسي»، وتصبح أول دولة في الناتو تملك مثل هذا السلاح. وهذا يقلق الناتو، وعلاقاته بروسيا «جليدية» منذ ضمها القرم، وباردة بتركيا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تموز (يوليو) 2016. وحلف «شمال الأطلسي» أمسك عن غضبه، فهو يرى أن تركيا في كنفه أفضل من أن تكون معادية له في خارجه. والناتو لا غنى له عنها في مكافحة الإرهاب ووقف سيل اللاجئين.

ولكن هل يبقى الحلفاء هؤلاء على موقفهم المتفهم؟ في الكونغرس الأميركي، يتداول بعض الشيوخ الأميركيين احتمال فرض عقوبات على أنقرة. و«ترمي موسكو، على أقل تقدير، إلى توتير علاقات أنقرة بالناتو، وترجو انزلاقها إلى القطيعة»، يقول خبير في الشؤون التركية. ولكن روسيا لا تترك الدرع الصاروخية في يد تركيا على غاربها، بل تبقي النظام الصاروخي تحت رقابتها وسلطتها، فالروس يخشون أن يطلع عسكريون أميركيون مرابطون في الأراضي التركية على نظامهم الصاروخي، ويخشون كذلك تدخلهم فيه.

إيران هي قوة نافذة في الشرق الأوسط، تساهم شأن كوريا الشمالية في الانتشار الصاروخي، فالجمهورية الإسلامية تتوسل بالصواريخ، الباليستية والتقليدية، إلى بسط نفوذها في المنطقة، وحماية أراضيها، وإبعاد العدو. وأتباعها كلهم مزودون بهذه الأسلحة. ونشر هذه الصواريخ يغير المعطيات الاستراتيجية في المنطقة كلها، يقول ضابط فرنسي سابق مسؤول عن الملف هذا. وفي الحرب بين السنّة والشيعة على توجيه دفة الشرق الأوسط ، الصواريخ ترجح كفة طهران. ففي الأسابيع الأخيرة، أطلق حوثيون يمنيون صاروخين باليستيين إيرانيين على الرياض. وتوازنات القوى في المنطقة تؤثر في إسرائيل. وهذه قلقة وعينها على تعاظم المخزون الصاروخي- وبعضه باليستي- في ترسانة ميليشيا «حزب الله» الشيعية الموالية لإيران، في لبنان وسورية. والحرب بين إسرائيل وحلفاء إيران في سورية ولبنان مستبعدة. ولكن الأطراف كلها تعد العدة لها. ويساهم البرنامج الباليستي في تسميم العلاقات بين طهران وبعض القوى الغربية. ويرغب دونالد ترامب في ضم هذا الملف إلى الاتفاق النووي. وهذا عسير وقد يطيح الاتفاق النووي المبرم في 2015 بعد مفاوضات دامت سنوات.

منذ تقديم كوريا الشمالية بيّنات على حيازتها السلاح النووي وتطوير برنامج باليستي قادر على بلوغ الأراضي الأميركية، تغيرت الموازين الاستراتيحية في آسيا. فاضطراب الديبلوماسية الأميركية في المنطقة منذ انتهاء ولاية باراك أوباما، حمل اليابان وكوريا الجنوبية على تعديل أنظمتها الدفاعية. وقررت اليابان شراء أنظمة رصد طويلة المدى، وتحديث صواريخها من طراز «باتريوت». وقد تقرر سيول وطوكيو تطوير سلاح نووي في مواجهة كوريا الشمالية والصين، إذا استنتجتا أن الضمانات الأمنية الأميركية غير كافية. ويرجح ألا تذلل أزمة الصواريخ الكورية الشمالية في المفاوضات. فروسيا والصين تدعمان بيونغيانغ، من جهة، والقنبلة النووية والبرنامج الصاروخي يسبغان حصانة على نظام كوريا الشمالية وتعززان قوته، من جهة أخرى.



إقرأ المزيد