أبناء السويداء يكتبون لأورينت نت -4: المعتقلون.. والمفاوضات.. وطبع النظام الغادر!
أورينت -
يواصل موقع (أورينت نت) متابعته لواقع الحراك الثوري المتفجر في السويداء، عبر نشر مقالات خاصة لأبناء السويداء.. تعكس تفاصيل هذا الحراك من الداخل. هنا مساهمة جديدة للكاتبة إيمان حمد.
(أورينت نت) 

عندما بدأت حركة "بدنا نعيش" كانت حركة عفوية، لكنها تعكس تماما نمو الاتجاه الوطني والمدني في السويداء نسبياً، لكن الحركة افتقرت إلى التنظيم وهو الأمر الذي أدى إلى توقف التظاهرات. لكن المؤكد أن هذه الحركة العفوية شكلت ضغطاً على النظام، بدليل، مرغماً، حسّن وضع الكهرباء ووفر الغاز ولو كان بشق الأنفاس. الحراك العفوي الذي شكل ضغطاً ما، جعل النظام يستشيط غضباً لأنه لم يعتد أن يلبّي أي احتياج مهما كان بسيط، لكن أضمر شيء ما للمحافظة. 
 في الحراك الذي تجدّد عبر هتافات وشعارات رفعت السقف وكان برأي البعض عودٌ على بدء أو ترديد ما هو مستهلك، كان النظام جاهزاً عبر البعثيين وجيبه الوظيفي المتغلغل في كل مفاسد الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعلى أهبة الاستعداد للإجهاز على أي حراك ممكن أن يؤكد على الوطن والمواطنة. 

في البداية لجأ إلى فصل عدد من الموظفين، أما عندما توسع التظاهر وقاده شباب في العقد الثاني أو الثالث من العمر في أقصى الأحوال، لهو أمر غير محتمل! وكما هو معروف اجتهاده في الأعمال القذرة، كان جهاز الأمن وجهاز البعث هم العصا الغليظة لهذا النظام. في اليوم الأخير للتظاهر، بدا مشهد الاعتقال غاية في التوحش والعنف واللا أخلاقية، ومن الجدير بالذكر أن بعض الشعارات كانت مقصودة لتكون مبرر للتدخل المباشر وقمع الحراك، ويبدو أن الحراك كان قد خرق واستطاع النظام من خلال المشهد الأخير أن يؤكد أنه قادر على التدخل. 
في الساعات الأولى التي أعقبت الاعتقال، تم التفاوض عبر وجاهات متعددة على أن يطلق سراح المعتقلين بشرط توقف المظاهرات، لكن هذه المرة غدر النظام كطبعه العام مع الجميع، هذا الغدر الذي لم يمارسه مع السويداء منذ عام 2012، حيث كان المعتاد أن يعتقل ثم يطلق سراح المعتقلين لأسباب تعود إلى أنه يحمي الأقلية ولانشغاله بغايات أكبر وأكثر ثقلاً. لم تعط الحرية للمعتقلين، أهل المحافظة أدركوا أن النظام مشغول تماما بقضايا الاقتسام والمحاصصة وغير آبه بالأقليات التي أدعى حمايتها وليس ذلك فقط، بل أن دورها المفترض قد انتهى زمنياً ووظيفياً. 
الآن ضمن النظام هدوء نسبي في السويداء، هذا الهدوء سيضمن له ولو مؤقتاً أن يعود إلى صورة النظام الأمني القوي المتسلط الغير معني بأي مطالب شعبية مهما كانت أساسية. ويأتي ظرف التظاهرات في السويداء مترافقاً مع خروقاته في إدلب. أما الاحتلال الروسي، كان تواجده رمزياً وأظهر الموقف أن الروس لا يعنيهم أي حراك طالما أنه لا يشكل تهديداً عسكرياً له. 
الحراك المدني لم ينته في المحافظ، وأصبح لدى أهل المحافظة قدرة على إجراك نقاط الضعف التي استغلها النظام من خلال المال القذر والاستقطاب الإقليمي والعمل الأمني، وخاصة استغلال شعارات توجهت لإدلب ودرعا على اعتبار أن إدلب ودرعا مرتع للإرهابيين. والجدير بالذكر أيضاً أن الحراك شبابي تماماً، لا يعرف محرّكيه أي انتماء سياسي أو خبرة في العمل السياسي، لكن لديهم الحس الوطني والمدني وسيعمل الحراك دائما ضمن ذلك. أما النظام، إلى أجل معين ضمن الهدوء من خلال رفض إطلاق المعتقلين مؤدباً الحراك، معتقداً أنه أنهى قدرة الحراك على أن يكون فتيل تظاهرات عامة. لا بد أن أشير هنا أن اللذين تم اعتقالهم، ممن تجاوزوا عمر الشباب كانوا يلعبون دور المشجعين لحراك رؤوا فيه ما لم تستطع الأجيال السابقة تحقيقه، واعتقال الكبار بصورة عنفية إباحية هو إمعان في فجر أخلاقي دأب النظام على أن يمارسه كسمة من سمات سطوته وإذلاله للناس. أما البعث، بوظيفته الجديدة، تبين أنه بالكاد تشكيلات عضوية أولى وأنه عاجز تماما عن تشكيل وعي الدولة الوطنية، فما بالك بالهوية القومية. كما تبين أن البعث عاجز تماماً أن يعود ليتشكل من جديد هو والنظام الذي لبس عباءته وتستّر بها ليمارس مجونه الفكري والسياسي الذي لم يسبقه عليه مطلقاً أي نظام آخر في التاريخ الحديث.



إقرأ المزيد