تداعيات انتهاء حظر الأسلحة التقليدية ضد إيران في ظل الرفض الأميركي
أورينت -
ينتهي اليوم (18 تشرين الأول/أكتوبر 2020) الحظر المفروض على إيران منذ ثلاثة عشر عاماً الذي كان يمنع بيع وشراء الأسلحة التقليدية من وإلى إيران، وذلك عملاً بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 لعام 2015 ما يعني قدرة طهران - من اليوم فصاعداً- على استيراد وتصدير أنواع كثيرة من الأسلحة التقليدية بما فيها الطائرات المروحية والدبابات وبعض أنواع الصواريخ وغيرها من المنظومات الدفاعية، لكن الولايات المتحدة الأمريكية تقول: إنّ هذا الحظر لن يُرفع وسيتم فرض عقوبات أميركية على جميع الاشخاص والشركات التي سوف تبيع الأسلحة أو تشتريها من طهران. 

يأتي القرار الأميركي بعد أن فشلت محاولات الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية بإقناع شركائها في مجلس الأمن -خاصة الدول الأوروبية- في تمرير قرار داخل المجلس لتمديد الحظر، وكانت آخر هذه المحاولات إحباط مشروع القرار الذي تقدمت به السفيرة الأميركية في مجلس الأمن في الرابع عشر من آب/أغسطس الماضي، حيث لم يصوت لصالح هذا القرار سوى دولة الدومنيكان في حين رفض جميع الدول الأعضاء التصويت لصالحه. 

هذا الفشل غير المسبوق للولايات المتحدة داخل مجلس الأمن دفعها للمضي قدماً في خطوة أكثر تصعيداً حيث أعلن وزير خارجيتها "مايك بومبيو" أن جميع العقوبات الأممية التي كانت مفروضة ضد طهران أُعيد تفعيلها اعتباراً من 20 أيلول/سبتمبر الماضي، وذلك بعد مرور 30 يوماً على الشكوى التي قدمتها الولايات المتحدة في مجلس الأمن ضد طهران بسبب خرقها بنود الاتفاق النووي، أو ما يسمى "خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA " التي وقعتها إيران مع الدول الغربية (5+1) عام 2015 وانسحبت منها لاحقاً إدارة "دونالد ترامب" في الثامن من أيار/مايو 2018. 

من جانبها نددت روسيا بالقرار الأميركي المتضمن إنهاء إعفاء إيران من العقوبات الدولية مؤكدة أنها سوف تواصل التعاون عن كثب مع إيران، في حين رأى الثلاثي الأوروبي (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) أن القرار الأميركي مخالف للقانون الدولي ومن شأنه أن يقوض مصداقية مجلس الأمن ولن تكون له فائدة من الناحية العملية، لأن الولايات المتحدة خرجت من الاتفاق النووي وبالتالي لا يحق لها اللجوء إلى آلية "سناب باك" المنصوص عليها في الخطة (JCPOA)، وهو ما ذهبت إليه الأمم المتحدة عندما أعلن أمينها العام، أنطونيو غوتيريس، أن الولايات المتحدة لا تتمتع بالسلطة القانونية لاتخاذ الخطوات تحت راية الأمم المتحدة. 

وتعني آلية "سناب باك" أو "كبح الزناد" إعادة تفعيل العقوبات الدولية التي كانت مفروضة على إيران - بما فيها حظر استيراد وتصدير الأسلحة التقليدية- بموجب حزمة قرارات اعتمدت من قبل مجلس الأمن بين عامي 2006-2010 والتي أُنهي العمل بها عملاً بالفقرة 7 (أ) من القرار 2231 لعام 2015، بالطريقة نفسها التي كانت سارية بها قبل اتخاذ هذا القرار في حال اخلال إيران ببنود الاتفاق النووي، وهو ما قامت به طهران من خلال خطة "خفض الالتزامات النووية" التي قامت بها رداً على انسحاب إدارة "ترامب" من الاتفاق النووي عام 2018.

وفي نبرة تحد واضحة واستعراض للقوة، قالت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة "كيلي كرافت" مخاطبة أعضاء مجلس الأمن الدولي بما فيهم الأوروبيين حلفاء بلادها: "كما فعلنا في الماضي، سنقف وحدنا لحماية السلام والأمن في جميع الأوقات"، "لسنا بحاجة إلى جوقة تهتف لنا للتحقق من صحة بوصلتنا الأخلاقية". وأوضحت "كرافت" أن الخطوة الأميركية تعني أن الحظر الصريح على تخصيب اليورانيوم الإيراني وإعادة معالجته والبرامج المتعلقة بالماء الثقيل قد تم فرضه مرة أخرى كما هو الحال بالنسبة لأي نشاط يتضمن قدرة صاروخية باليستية، إضافة إلى مراقبة وفرض تجميد الأصول وحظر السفر على عشرات المسؤولين الإيرانيين.


وانضم إلى "كرافت" وزير الخارجية "مايك بومبيو"، ووزراء الخزانة، والدفاع، والتجارة، ومستشار الأمن القومي للكشف عن العقوبات الجديدة التي وردت في الأمر التنفيذي الذي وقعه "ترامب" بعد يوم واحد من إعلان إعادة تفعيل العقوبات الدولية ضد طهران، وتضمن الأمر التنفيذي الجديد السماح للوزارات الأميركية بفرض عقوبات على المسؤولين والكيانات الإيرانية، وتلك التي تشتري أو تبيع الأسلحة لهم وأي شخص يتاجر بالأسلحة التقليدية مع إيران بسبب عقوبات الأمم المتحدة "المعادة".

وتضمن الأمر التنفيذي الذي وقعه "ترامب" الشهر الفائت حزمة من العقوبات الجديدة طالت 27 مسؤولاً وكياناً إيرانياً لدورهم في برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، بما في ذلك مسؤولون في وزارة الدفاع الإيرانية وعلماء نوويون يعملون في منظمة الطاقة الذرية الإيرانية منهم ثلاثة نواب للمدير، وخمسة علماء نوويين مُتهمين بالسعي لسرقة أسرار نووية من الغرب، فضلاً عن رئيس فنزويلا "نيكولاس مادورو" بسبب علاقته بتوريد أسلحة إلى إيران. 

وكان من المقرر أن ينتهي الحظر على توريد الأسلحة التقليدية إلى إيران في 18 تشرين الأول/أكتوبر الجاري لكن "بومبيو" وآخرين يصرون على أن العودة المفاجئة للعقوبات قد ألغت إنهاءه. ويبدو أن الإجراء الأميركي تم تصميمه لردع الصين وروسيا عن بيع الأسلحة التقليدية إلى إيران، لأنه من غير المحتمل أن تبيع أي دولة في الاتحاد الأوروبي أسلحة لإيران، لأن الحظر الأوروبي على توريد الأسلحة إلى إيران سارٍ حتى عام 2023.

وتستند الولايات المتحدة في اللجوء إلى الخطوة الأخيرة إلى الفقرتين 36، 37 من خطة العمل الشاملة المشتركة بصفتها مشاركاً أصلياً في هذه الصفقة وعضواً في مجلس الأمن الدولي وطرفاً في القرار 2231 الذي صادق على الخطة وأيدها. وكان يتوجب على المجلس أن يتخذ إجراءً بخصوص تمديد اعفاء إيران من العقوبات خلال 30 يوماً من التاريخ الذي تقدمت به الولايات المتحدة بشكوى ضد إيران في مجلس الأمن إلا أن المجلس لم يتخذ أي إجراء لذلك فإن جميع العقوبات الأممية عادت بشكل أتوماتيكي بانقضاء هذه المدة بحسب الكثير من الخبراء القانونيين. 

وتجدر الإشارة إلى أن هناك الكثير من الخلافات حول الملف الإيراني بين فرنسا وألمانيا وبريطانيا من جهة  والولايات المتحدة من جهة أخرى ظهرت بشكل واضح بعد انسحاب الإدارة الأميركية من خطة العمل الشاملة المشتركة التي يريد الثلاثي الأوروبي الإبقاء عليها وحل جميع الخلافات مع إيران من خلال آلية فض النزاع المنصوص عليها في الخطة بدلاً من اللجوء إلى "سناب باك" مباشرة لأن إعادة تفعيل العقوبات تعني انتهاء الاتفاق النووي وهو ما لا تريده الدول الأوروبية حالياً، الأمر الذي دفع إدارة "ترامب" إلى اتهام الدول الأوروبية باسترضاء إيران على حساب الأمن والسلام في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما عبر عنه "بومبيو" بقوله: إن المطلوب من فرنسا وبريطانيا وألمانيا ليس فقط الامتثال للعقوبات، ولكن تنفيذها.

ومنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي تمارس سياسة الضغط القصوى ضد طهران لإجبارها على التفاوض على اتفاق جديد أكثر تماسكاً من اتفاق 2015 يضمن الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي ويحد من التهديدات والأنشطة التخريبية لإيران في منطقة الشرق الأوسط.

الاعتراض الأوروبي على إعادة تفعيل العقوبات على طهران ليس له قيمة من الناحية العملية لأن الأوروبيين يدركون جيداً أن العقوبات الأميركية الأحادية أقوى بكثير من العقوبات الأممية خاصة من الناحية الاقتصادية والمالية، لذلك لن يستطيعوا تقديم أي شيء جدي لإيران بدون موافقة واشنطن حتى عبر آلية “إينستكس INSTEX " للتهرب من العقوبات الأميركية والتي هددت واشنطن بمعاقبة كل له علاقة بها في حال تفعيلها.

ويرى خبراء قانونيون أن المسألة المطروحة في غاية التعقيد، فالالتزامات المفروضة على أي دولة في مجال حظر انتشار الأسلحة النووية بما فيها إيران ليست مقتصرة فقط على ما ورد في اتفاق فيينا فهناك التزامات منصوص عليها في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لعام 1968 واتفاقية الضمانات الموقعة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية والقواعد الراسخة في القانون الدولي العام. وبالتالي إذا ما خالفت إيران أياً من هذه الالتزامات فيحق للولايات المتحدة تقديم شكوى ضدها إلى مجلس الأمن الدولي باعتبارها طرفاً في هذا الاتفاق. إضافة إلى أن خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لا يعني أبداً انتفاء أي صلة لها بالنزاع النووي مع إيران، كما أنه لا يعني أنها باتت خارج قرار مجلس الأمن رقم 2231 لعام 2015 الذي أيد خطة العمل (JCPOA)، بمعنى آخر أن واشنطن لا تزال تحتفظ بحقها وفقاً لهذا القرار بتقديم شكوى ضد إيران بغية تحريك آلية إعادة فرض العقوبات تلقائياً باعتبار أن إيران خرقت الاتفاق النووي في الكثير من البنود المنصوص عليها، خاصة فيما يتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم وكميته وتشغيل أجهزة الطرد المركزية ومفاعلات المياه الثقيلة.

ويبدو أن الولايات المتحدة ماضية بشكل منفرد في منع إيران من الاستفادة من الاتفاق النووي خاصة فيما يتعلق برفع العقوبات الاقتصادية ورفع الحظر عن استيراد وتصدير الأسلحة التقليدية رغم معارضة أغلب الدول بما فيها حلفائها الأوروبيون. من جانبها ترى إيران أن الخطوة الأميركية الأخيرة لن يكون لها تأثير من الناحية العملية على اقتصادها وطموحاتها النووية وأن ما تقوم به إدارة "ترامب" استعراض لقانون القوة وليس قوة القانون، وأن "ترامب" يحاول تسويق نفسه على أنه بطل لاستقرار الشرق الأوسط قبيل الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

وعلى الرغم من أن الحظر لم يمنع إيران على مدار السنوات الماضية من إرسال أسلحة متطورة إلى حلفائها في العراق واليمن وسوريا ولبنان بشكل سري، واستهداف منشآت حيوية لدول أخرى وإشعال الحروب الطائفية، إلا أن رفع الحظر سوف يعزز من قدراتها العسكرية ويمنحها قدر أكبر من التحرك بحرية في استيراد وتصدير هذه الأسلحة لوكلائها والميليشيات التابعة لها في العديد من دول المنطقة. لذلك تقول الإدارة الأميركية إنها لن تسمح للنظام الإيراني بالعودة إلى استيراد هذه الأسلحة الفتاكة التي يستخدمها بشكل يزعزع استقرار منطقة الشرق الأوسط.

لكن في حال رفع الحظر– رغم الاعتراض الأميركي- سيساهم ذلك في تعزيز قدرات إيران الصاروخية والاستمرار في مد شركائها ووكلائها في منطقة الشرق الأوسط بهذه الأسلحة، إضافة إلى تحديث قدراتها الحالية والحصول على قطع الغيار وتعزيز إنتاج الأسلحة محلية الصنع من أجل تقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، والتهرب من العقوبات، ما يعني زيادة أنشطتها التخريبية وتهديد دول الجوار والملاحة في الخليج العربي عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف السفن في مضيق باب المندب من خلال شركائها الحوثيين في اليمن. وهو ما أشارت إليه بعض التقارير الإعلامية الغربية التي أكدت طلب إيران شراء مقاتلات Su-30، وS-400، وصواريخ SAM، وT-90، وأنظمة مدفعية حديثة، وصواريخ Yakhont المضادة للسفن من روسيا والسعي لتقوية قواتها البحرية من خلال الحصول على ألغام وطوربيدات متطورة وصواريخ باليستية مضادة للسفن. في المقابل يرى خبراء أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران نتيجة العقوبات الأميركية قد تمنع النظام الإيراني من شراء أعداد كبيرة من أنظمة الأسلحة الرئيسية بسبب تكلفتها الباهظة.



إقرأ المزيد