شهادات حيّة تروي قصة قوائم الموت في سجون أسد.. متى بدأت وكيف جرى تنفيذها؟
أورينت -
مع غياب المحاسبة الدولية لنظام أسد على الانتهاكات التي ارتكبها في سوريا يكسب الأخير جرعة تدفعه للقيام بالمزيد من الأعمال الدموية ضد الشعب الذي قتل منه مئات الآلاف وهجر أكثر من نصفه إلى كل دول العالم بفعل الصواريخ والبراميل المتساقطة فوق رؤوس المدنيين، لأنهم سعوا إلى حياة كريمة ودولة مدنية تضمن لهم حقوقهم وتقيهم شر الوقوع في معتقلات الأسد.

ولم يفلح المبعوثون الدوليون والقرارات الأممية بالإفراج عن معتقل واحد في سوريا، بسبب تعنت نظام أسد، كما لم يكتف النظام بإخفاء المعتقلين قسراً في سجونه بل قام بقتل العديد منهم وإرسال جثثهم إلى ذويهم ليصل الأمر مطلع عام 2018 حد إصدار جملة كبيرة من شهادات الوفاة لمعتقلين قضوا تحت التعذيب غير آبهٍ بأي إجراءات قد تتخذها الاصطفافات الدولية بجميع معسكراتها الغربية قبل الشرقية، مستنداً على داعمه الروسي الذي يستخدم الفيتو في كل محاولة دولية لمعاقبته وإنهاء وجوده.

ويبقى مصير هؤلاء المعتقلين كعددهم الحقيقي مجهولاً ليشكل هذه الملف عقبة أمام الحل السياسي في سوريا في ظل عجز المجتمع الدولي عن إيجاد حل للوصول إلى هؤلاء المعتقلين والإفراج عنهم.

 الأمل للهرب من الواقع
لم يغب الأمل عن عائلات هؤلاء المعتقلين بأن أقاربهم في سجون نظام أسد ما زالوا على قيد الحياة، وأنهم سيلتقون بهم مرة أخرى، لكن تطور أسلوب النظام في تبديد آمالهم، من خلال استخدامه طريقة جديدة في إخبار العائلات التي تعيش في المحافظات السورية الخاضعة لسيطرته بوفاة ذويهم من المعتقلين نتيجة أزمات قلبية حادة دون أن يسلموا جثثهم.

وقال "محمود. ح" والد أحد المعتقلين في مدينة حمص لـ "أورينت نت": "اعتقل ابني من على أحد الحواجز التابعة لفرع الأمن العسكري في شهر تشرين الثاني من عام 2014 ورغم محاولاتي العديدة عن طريق الأصدقاء والأقارب ممن لديهم علاقات جيدة مع الجهاز الأمني في معرفة ما آلت إليه أحوال ابني إلا أنني لم أستطع معرفة مصيره". 

وفي أيار عام 2019 وصلنا إخطار من دائرة الأحوال المدنية أنه علينا التوجه إلى النفوس لاستلام شهادة وفاته، وبالفعل توجهت إلى النفوس لأحصل على شهادة الوفاة التي كتب عليها أن سبب الوفاة سكتة قلبية لكن صحة ابني كانت جيدة قبل الاعتقال، الأمر الذي يدل على أنه قضى تحت التعذيب في أحد الأفرع الأمنية."


ومن جهتها قالت "إيمان. ش" زوجة أحد المعتقلين في مدينة دمشق لـ "أورينت نت": "أنا أم لأربعة أطفال وتم اعتقال زوجي في 21 شباط 2013 أثناء مروره على أحد الحواجز التابعة للنظام السوري، وعلمت بذلك من صديق له. 

لم أستطع معرفة أي فرع قام باعتقاله ولم أستطع معرفة سبب اعتقاله أو مصيره، كبر أولادي وولدت الطفل الذي كنت حامل به عندما اعتقل زوجي، وفي أيلول عام 2019 وصلنا إخطار من دائرة السجل المدني أن زوجي مات نتيجة أزمة قلبية حادة وأنه يتوجب عليَ الذهاب إلى النفوس لاستلام شهادة الوفاة وعند سؤالي عن طريقة استلام الجثة أخبروني أن ذلك غير ممكن..الأمر الذي يدل على أنه قضى تحت التعذيب وجثته تم التمثيل بها.

وتتابع الزوجة :" يتوقع أنه مات منذ مدة بعيدة لكنهم لم يخبرونا آنذاك وأبقوا على ذلك حتى عام 2019 الذي يعد عام إخطارات الوفاة بسبب الحملة التي قام بها نظام الأسد للتخلص من عبء المعتقلين الذي أثقل كاهله."

واستطاعت "أورينت نت" الوصول إلى موظف في دائرة النفوس في مدينة حلب وقال في تصريح خاص: "في بداية عام 2019 اجتمع بنا رئيس الشعبة وأخبرنا أنه ستصلنا قوائم بأسماء معتقلين سابقين وأنه علينا تسجيلهم كمتوفين بسبب أزمة قلبية حادة أو اختطاف من قبل الجماعات الإرهابية أو قنصاً والبعض الآخر دون ذكر أسباب الوفاة حسبما سيرد في القائمة وعلينا بعدها إرسال إخطار إلى ذوي المتوفي لإخباره بالقدوم لاستلام شهادة الوفاة.

كما أخبرنا بأن القرار صادر عن بشار الأسد ومن يخالفه أو يتمنع عن تنفيذه سيعرض نفسه للمساءلة القانونية. وبالفعل بدأت القوائم تصلنا من أفرع الأمن العسكري والسياسي وفرع أمن الدولة والمخابرات الجوية كل قائمة على حدة وكانت بعض القوائم تضم نحو 20 اسماً والبعض الآخر يصل إلى 50. 

"القائمة التي وصلتني كانت تحتوي على 34 اسما قمت بإخراج شهادات وفاة لهم. لم أستطع مواجهة القرار وعدم تنفيذه لأنه هددنا باستخراج شهادات وفاة لأنفسنا في حال الامتناع عن تنفيذ القرار الأمر الذي دفعنا إلى تنفيذ ما طلب منا."، بحسب الموظف.


سعي المنظمات الحقوقية لإدانة النظام

وثقت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة وفاة مئات المعتقلين في سجون قوات النظام السوري تحت التعذيب، في محافظات حماة وحمص ودمشق ودير الزور ودرعا والقنيطرة، ما بين منتصف عام 2019 ونهاية تشرين الثاني 2020.

وأوضح التقرير أن عدد الضحايا من المحتجزين الذين وصلت إخطارات وفاتهم إلى دائرة السجل المدني، في دير الزور في الفترة ما بين تشرين الأول 2019 وتشرين الثاني 2020، حوالي 370 محتجزاً، بينهم 28 امرأة. وفي درعا والقنيطرة، ما لا يقلُّ عن 54 محتجزاً ما بين آب 2018 وتشرين الأول 2020. وفي حمص وحماة ما لا يقل عن 30 في الفترة ذاتها، إلى جانب ما لا يقلُّ عن خمسة محتجزين في دمشق وريفها، بينهم امرأتان.

وفي تقرير سابق للمنظمة وثقت وفاة نحو 700 محتجز في محافظة حماة وحدها، منذ بداية عام 2019 وحتى أيار من العام نفسه.

وفي السياق يقول بسام الأحمد المدير التنفيذي لمنظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة لـ "أورينت نت": "قام فريقنا برصد ومتابعة أخبار إخطارات الوفاة خلال عامي 2019 و2020 وهي المدة التي استطاعت فيها المنظمة الكشف عن وفاة عشرات المختفين قسراً داخل مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة السورية واستندنا على مصادر أولية من خلال الحصول على وثائق من ذوي 21 معتقل تثبت الوفاة  وبعض الشهود التقى بهم باحثونا على الأرض وحصلنا أيضاً على شهادات من مصادر داخل دوائر السجل المدني قمنا بإخفاء هويتهم لأسباب أمنية كي لا نعرضهم للخطر والشهادات التي حصلنا عليها من عدة محافظات سورية وأصدرنا تقريرين منفصلين الأول عن النصف الأول من عام 2019 والثاني من منتصف 2019 حتى نهاية 2020."

وأوضح: "كما ذكرنا في التقرير أن بعض الأهالي وصلهم إخطار لاستلام شهادة الوفاة من السجل المدني والبعض علم بوفاة ذويهم عن طريق الصدفة وقسم آخر امتنعت دائرة السجل المدني عن منحهم بيانا عائليا، ونسعى من خلال إنجاز هذه التقارير إلى إدانة النظام السوري للمثول أمام المحاكم الدولية وتحصيل حقوق المعتقلين ممن قضى تحت التعذيب."

يذكر أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان أصدرت تقريراً في حزيران الماضي، قالت فيه إن عدد المعتقلين في سجون قوات النظام السوري بلغ نحو 130 ألفاً و989 معتقلاً، 85% منهم قيد الإخفاء القسري، وتعد إخطارات الوفاة حسب التقرير عديمة القيمة ويعد أصحابها في عداد المختفين قسرياً بسبب عدم تسليم النظام جثثهم إلى ذويهم.



إقرأ المزيد