قُبيل الانتخابات اللُّبنانيَّة قراءة دلاليَّة في زيارة بشَّار الأسد لإيران
أورينت -

إذا تصادفت زيارة العمل الَّتي قام بها بشَّار الأسد إلى إيران مع اليوم العالميِّ للحمير في الثَّامن من (أيَّار/مايو) 2022.م فإنَّنا نعتقد بعلاقة وثيقة بين هذه الزِّيارة وجُملة من الأحداث الَّتي سبقتها، ومجموعة أخرى من الأحداث الَّتي جاءت، وستأتي بعدها أيضًا، ولعلَّنا نتذكَّر بعضًا منها؛ كتوزير جورج قرداحي في لبنان ثمَّ إجباره على الاستقالة، وزيارة وزير خارجيَّة الإمارات العربيَّة المتَّحدة إلى سوريا، ثمَّ تكلَّلَ التَّقارب العربيِّ التُّركيِّ بين كلٍّ من الإمارات والسُّعوديَّة بزيارة رئيس تركيا رجب طيِّب أردوغان إلى السُّعوديَّة؛ ومن هنا نعتقد-نحن السُّوريِّين المحكومين بالأمل برغم مآسينا الكبيرة- بوجود خيط دقيق يربط بين هذه الأحداث، وما سيأتي بعدها أيضًا؛ ولهذه الأحداث-في اعتقادي-علاقة وثيقة ليس بمستقبل سوريا وحسب، وإنَّما بمستقبل خريطة بلاد الشَّام الجيوسياسيَّة كلِّها، ولا سيَّما أنَّ عُمْرَ الخطوط العريضة لهذه الخريطة لا يزيد على مئة سنة، بعدما رسمها سايكس وبيكو خلال الحرب العالميَّة الأولى.

حظي تسريب مشاهد الإعدام الميدانيِّ المروِّعة لمجزرة التَّضامن في دمشق بتغطية إعلاميَّة عالميَّة واسعة، لكنَّ ردَّة الفعل لدى الضَّمير العالميِّ كانت دون المستوى المأمول، وبرغم إشادة الأمم المتَّحدة بعفو بشَّار الأسد المزعوم فقد عرَّت النِّظام السُّوريَّ مشاهدُ الأهالي ومقابلاتهم مع وسائل الإعلام، وهم ينتظرون أيَّ خبر عن معتقليهم ومفقوديهم؛ وههنا يمكننا أن نستشفَّ رغبة الأمم المتَّحدة والمجتمع الدُّوليِّ للاستفادة من الثَّورة السُّوريَّة في مفاوضات إيران النَّوويَّة، بعدما تسرَّبت أنباء عن تعثُّرها أو عدم رضا الكونغرس الأمريكيِّ عنها؛ ومن هنا أيضًا كانت إقالة جورج قرداحي أوَّل ضربة لفتح الملفِّ اللُّبنانيِّ وتوظيف خريطة لبنان وانتخاباتها في مفاوضات إيران النَّوويَّة، وأحداث لبنان لا تنفصل عن أحداث سوريا، وخريطة لبنان في الجغرافية السِّياسيَّة خاصرة سوريا، وأحداثها مؤشِّر على بعض الأحداث في سوريا.

لعلَّ المجتمع الدُّوليَّ قد تأخَّر كثيرًا في هذه الخطوة؛ أعني بذلك سحب سوريا ولبنان من تحت النُّفوذ الإيرانيِّ، برغم رضا إسرائيل والمجتمع الدُّوليِّ عن أداء بشَّار والنُّفوذ الإيرانيِّ في سوريا، ولعلَّه من الأفضل للمجتمع الدُّوليِّ ألَّا يكون نفوذ إيران الحالي في كلٍّ من العراق وسوريا ولبنان واليمن نفوذًا مجَّانيًّا؛ إذ نلمح في زيارة وزير خارجيَّة الإمارات إلى سوريا رغبة عربية في احتواء نظام بشَّار الأسد برغم جرائمه كلَّها كيلا يزداد ارتماؤه في الحضن الإيرانيِّ، أمَّا زيارة بشَّار الأسد الأخيرة إلى إيران فإنَّنا نجد فيها رسالتين واضحتين: الأولى موجَّهة إلى بشَّار نفسه؛ تُخيُّره بين حضن عربيٍّ يحتويه، أو احتلال إيرانيٍّ يزيد في ذلِّه وعزلته، والرِّسالة الثَّانية نعتقد أنَّ بشَّار الأسد قد نقلها إلى النِّظام الإيرانيِّ، وقال له فيها: جئتكم لأقول لكم: إذا أردتم أن أبقى رئيسًا لسوريا، وأبقى وفيًّا لكم ولمحور مقاومتكم وممانعتكم المزعوم يجب أن تساعدوني، وتساعدوا (محور المقاومة والممانعة كلَّه) في كسب الأغلبيَّة النِّيابيَّة في لبنان؛ وعن هذه الأغلبيَّة النِّيابيَّة الجديدة بعد الانتخابات البرلمانيَّة القريبة في لبنان سينتج مجلس وزراء ورئيس جديدان، لا يخفى تأثيرهما في الخاصرة السُّوريَّة.

أعتقد أنَّ رسائل المجتمع الدُّوليِّ إلى لبنان وبشَّار وإيران وصلت تباعًا منذ إقالة جورج قرداحي، ومن وجهة نظري أنَّه خيرًا فعل؛ مع أنَّنا -نطمح نحن السُّوريِّين- بأكثر من ذلك بكثير، ولا سيَّما من ناحية مظلوميَّتنا وعدالة قضيَّتنا تجاه المجرم بشَّار الأسد، الَّذي ورث الحكم عن أبيه دون وجه حقَّ؛ لكنَّنا ندرك تمامًا كيف يُسوِّق هذا النِّظام المجرم نفسه كضرورة ملحَّة لدى المجتمع الدُّوليِّ، وهو الَّذي مثَّل في يوم الأرض مع بدايات الثَّورة السُّوريَّة؛ ليخيفها من البُعبُع السُّنِّيِّ والفدائيِّين الفلسطينيَّين؛ فأرسل بعض الفلسطينيِّين على حدود الجولان؛ ليعبروا الأسلاك الشَّائكة، ثمّ راح يُعدم السُّوريِّين والفلسطينيِّين ميدانيًّا في مجزرة التَّضامن وغيرها من المجازر الكثيرة. 

يبدو لي أنَّ المجتمع الدُّولي انتقل من مرحلة التَّغاضي عن النُّفوذ الإيرانيِّ المجَّانيِّ في الدُّول العربيَّة الأربع إلى مفاوضة إيران على تنازلات في ملفِّها النَّوويِّ مقابل هذا النُّفوذ، وقد نقل بشَّار الأسد المأزوم جدًّا في هذه المرحلة الحرجة رسالة المجتمع الدُّوليِّ هذه، وقد تظهر مفاعيل هذه الزِّيارة في انتخابات لبنان وديمقراطيَّتها المحفوفة بكثير من المؤثِّرات الدَّاخليَّة والخارجيَّة، فإن سُحبت الأغلبيَّة النِّيابيَّة البرلمانيَّة في لبنان من محور (باسيل-نصر الله)، وانتصر المحور السِّياديِّ في لبنان فهذا مؤشِّر على زيادة الضَّغط عبر هذه المساحة الجيوسياسيَّة الَّتي مُنحت لإيران مجَّانًا مدَّة طويلة من الزَّمن، أمَّا حسابات البيدر الإيرانيِّ فقد تكون مختلفة تمامًا عن حسابات المحصول لدى المجتمع الدُّوليِّ، ومن أدرى المفاوضين العالميِّين بنظريَّة الفستق واللَّعب على العامل الزَّمنيِّ في التَّفاوض السِّياسيِّ، ولا سيَّما أنَّ قوَّة أيِّ مفاوض تأتي من قوَّة السِّلاح الَّذي يدعمه والبندقيَّة الَّتي تقف خلفه، فما بالك بمفاوض يستند على ملفٍّ نوويٍّ كبير؟!

لا شكَّ أنَّ بشَّار الأسد مع نظامه المجرم يرغبون بالاستفادة من تناقضات المجتمع الدُّوليِّ، ويسعون إلى تقديم هذا النِّظام المجرم على أنَّه ضرورة ملحَّة لأمريكا وروسيا وإسرائيل و(محور المقاومة والممانعة المزعومة) معًا؛ لكنَّ أزمة بوتين في أوكرانيا، وأزمة الانتخابات اللُّبنانيَّة المقبلة قد تكون بعض الأسباب الوجيهة للإطاحة بهذا النِّظام المجرم بعد أن فشلت دماء السُّوريِّين ومآسيهم عن صناعة أيِّ ردَّة فعل دوليَّة عادلة وحقَّة؛ اللَّهمَّ غير دموع التَّماسيح، وعقد اللِّجان والمؤتمرات وجمع الأموال وتصريحات الفنادق والمطارات، ولا شكَّ أنَّ الأيَّام القريبة والقادمة حُبلى ببعض المفاجآت، (وإن يكُ صدرُ هذا اليوم ولَّى؛ فإنَّ غدًا لناظرِه قريب).                                 



إقرأ المزيد