حين تتوقف ماكينات التضليل عن العمل
موقع السيدة -

غير مأسوف عليه، أقدم النظام على قرار حل الاتحاد العام النسائي، بموجب مرسوم تشريعي يقضي بإلغاء القانون رقم 33 لعام 1975 وتعديلاته المتضمنة إحداث الإتحاد العام النسائي بسوريا.

وبطبيعة الحال لم يثر قرار الحل أي ردة فعل نسوية في صفوف منظمات الإتحاد المذكور، ما يؤكد طبيعته الهامشية في الحياة السياسية والاجتماعية تاريخياً وحاضراً أمام قضايا كانت تستحقها المرأة السورية من الاهتمام والمتابعة على صعيد حقوقها وظروفها العصيبة التي ولدتها الحرب العبثية الدائرة في سوريا، وخلقت أعباء باهظة على عاتق المواطنات والمواطنين السوريين، واللافت في الأمر أن مرسوم إلغاء الاتحاد العام النسائي، أتى غداة تغيير جرى في القيادة القطرية لحزب البعث شمل نصف أعضائها، خلال اجتماع بحضور بشار الأسد الذي يشغل منصب الأمين العام لحزب البعث، ما يشير إلى الطبيعة اللصيقة لقرارات الحزب الجهازية مع مؤسسات وأجهزة الدولة، وأن لاتغيّر يذكر على صعيد هيمنة حزب البعث على السلطة، حيث لامفاعيل مادية ذات أهمية لإلغاء المادة الثامنة من الدستور، التي كانت تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع في سوريا، وأن سطوة الأجهزة الأمنية لاتزال بكل جبروتها على مقدرات الدولة والمجتمع، أو ماتبقى منه.

هل بدأ النظام بصيغته المهترئة يطلق النار على نفسه

رغم الضعف المميت الذي بدأ النظام يدانيه، وصولاً إلى عجزه عن السيطرة على المقدرات والجغرافيا الوطنية، وخروج ملايين المواطنات والمواطنين السوريين على سيطرته انتفاضاً أو تهجيراً قسرياً، أو اللوذ القسري في ملاذات ترعاها قوى ميليشياوية، لم تختلف من حيث الممارسة والتسلط عن نظام القهر والديكتاتورية، التي حكمت البلاد والعباد لخمسين سنة مضت. لايزال النظام يحتفظ بقواه الفعلية في مناطق سيطرته، وعلى “جمهوره” ولم يسعَ ولو للحظة واحدة إلى تفعيل منظماته، بل زاد في تهميشها واستنقاعها، في بيئة ماتوطنت عليه من فساد وإملاق تسلطي وبيروقراطية، وفق الطرائق القديمة وما اعتاش على تسلطه، وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى قرار الحل، وبغض النظر عن تقديرات البعض بربط مرسوم الحل على إثر اجتماع رئيسة الاتحاد النسائي بنائب مدير صندوق الأمم المتحدة للسكان “مارتا بولغر”، ومديرة برامج الجندر في الصندوق السيدة “أميرة الأحمد”، وما تمخض عنه من مشاريع داعمة للمرأة في حلب، وهو ما لا يوافق النظام في توجهاته “الحربجية”، أو في توقيت الاتفاق الذي تمّ، وما إذا كان إجراءً عقابياً صامتاً استدعى قرار الحل بطريقة من يطلق النار على نفسه. إلّا إنه وعلى هامشية الاتحاد النسائي وضعف قدراته في التأثير، وعطالته في حل القضايا التي ألقاها على عاتقه، لا يعكس قرار الحل مؤشراً لوحده على ضغط النفقات وسط الاستنزاف الاقتصادي والمالي الذي يعانيه النظام جراء أجواء الحرب، والدليل على ذلك تحويل ملاك الاتحاد وموظفيه إلى ملاك وزارة الشؤون الاجتماعية، ما يؤكد طبيعته الجهازية، التي لم تضف أي خطوة ذت مغزى في مصائر المرأة السورية أو تخفيفاً لمعانتها ومشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية، التي فرضتها أزمات الحرب الجارية في سوريا.

جردة تاريخية

تأسس الاتحاد العام النسائي في سوريا سنة 1967، وكان هدفه المعلن توحيد “جهود المرأة في مؤسسة تخصها، وتعبّر عن إرادتها الواعية، تستطيع المرأة فيها أن تمارس دورها الفعال في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية”، لكنه لم يستطع أن يكون بمنسوب ماوضعه على عاتقه، بل أبدى كل قصور وتخاذل في كل المنعطفات والتجارب، ولم يكن على مستوى النضالات النسوية في عدد من البلدان العربية، كـ تونس ولبنان ومصر، بسبب طبيعته الإلحاقية بالسلطة السياسية، واختزال حضوره كمؤسسة دعائية لسياسات النظام وترويجها في الأوساط النسوية بأفق بيروقراطية “الجهاز” والتضييق على المبادرات التي كانت تصدر من هنا وهناك، ولم يقف في وجه قوة العادات والتقاليد والسطوة الدينية المعطلة والمعرقلة لتحرر النساء السوريات، ولم يخض معركة الأحوال الشخصية في كل صعدها لصالح سلطة ذكورية تاريخية في التسلط وتهميش النساء وحبسهن في صورتهن النمطية ثقافياً واجتماعياً وتعليمياً. لم يدافع الاتحاد المومأ إليه عن وجود المرأة وشخصيتها الاجتماعية والفردية، ولم يفتح النار أمام سلطة القوانين الجائرة وداعميها القانونيين والدينيين والسياسيين وقد استمرأت قياداته النسوية عسل الامتيازات البيروقراطية، وقد وضعن أنفسهن رهينات محبس السلطة وتجاهلها لمصائر النساء في ميادين العمل والتدريس أو نضالهن السياسي، الذي دفع بمئات الشابات للمعتقل في صمت القبور.

هل انتهت الكذبة:

في معرض تعليقه على قرار حل الاتحاد النسائي، يورد أحد إيديولوجي النظام إلى أنه لم يلتفت أحد إلى الخطوة التي أقدمت عليها القيادة السورية، ويستشهد بتعليق عضو مجلس الشعب نبيل صالح: “لم يكن اتحاداً يوما للنساء طالما أنه كان يعمل بتوجيه مجموعة من (الرفاق المحافظين) لقد انتهت الكذبة التي اسمها منظمة الاتحاد النسائي.”!

يمكن أن يكون النقد مجدياً في الكشف عن عيوب القانون (33) لعام 1975، الذي تضمن إحداث الاتحاد العام

حين تتوقف ماكينات التضليل عن العمل-موقع السيدة
حين تتوقف ماكينات التضليل عن العمل-موقع السيدة

النسائي، الذي كان يحظر تشكيل أي جمعيات أخرى للمرأة، ما يتضمن أن الناشطات اللواتي يردن تشكيل جمعية للمرأة خارج مظلة الاتحاد العام النسائي ينتهكون أحكام القانون (33)، وهو ما يتجنبه مدافعو النظام ويتجنبون إثارته، وبغض النظر عن زوايا النقد سواء كانت من اليسار ( التي يشير إليها عضو مجلس الشعب في إشارته للرفاق المحافظين)، في خداع وتضليل طالما اعتدنا عليه، أو من اليمين الذي لم يغادر مواقعه النظام يوماً ولو أنه يمين منافق وغير أصيل، ولطالما استخدم واستهلك كل طلاوات اليسار الكاذبة، من حداثوية وعلمانوية على مقاس تخلفه التابع، يتصور المعلقون انخراط المرأة في ميدان العمل والدراسة كما لو أنه إنجاز نوعي لسلطة البعث دون أن يعمل تفكيره في أن إملاءات التطور الاقتصادي والاجتماعي أملت على المرأة موضوعياً دخول سوق العمل، وكان حري بهم – مع حد أدنى من المسؤولية- تقصي أحوال المرأة العاملة وتدني أجورها والمعاملات التمييزية في قوانين الأحوال الشخصية، وكيف ساهمت تلك الأداة المفترضة توحيد جهود المرأة وتفعيل شخصيتها الخلاقة، أن تقود إلى تهميشها وأن تلتزم الصمت حيال إعلان وفاة مؤسستها “الوحيدة” دون أن تنبس ببنت شفة.

واقع الحال، انتهت كذبة النظام ومبرر سطوته على المجتمع السوري بذراع منظماته الجهازية، وهو مايؤهب النساء السوريات المكافحات، للإقدام على تشكيل وتوحيد قواهنّ التنظيمية، بأفق تحررهن وانتزاع حقوقهن المشروعة.

من واجب المنظمات المدنية النسائية، المستقلة أن تتقدم الصفوف وتثبت جدارتها.

غالية الريش

The post حين تتوقف ماكينات التضليل عن العمل appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد