نساء الرقة والزمن الخشن ج 1\2
موقع السيدة -

“خرجنا خائفتين وكل منا تدفع بأربعة أبناء أمامها والقصف فوق رؤوسنا والقتلى في كل مكان، ثمانية أطفال معنا يحتاجون لكل شيء، ونحن أرملتان وحيدتان خرجنا بثيابنا. لم نكن نفكر بوجهتنا حينئذٍ، كان هاجسنا أن ننجو بهم وبنا من الموت”. كلمات اختصرت بها سيدة رقاوية واقع حالها، حينما نزحت بعد تعرض منطقتها السكنية لمجزرة قبل أيام، جراء استهدافها بطيران التحالف، لتجد نفسها مع أرملة  نازحة أخرى ومعهما أطفالهما، أفواه فاغرة يحكمها الخوف والجوع والعطش، معزولون داخل دكان شبه مدمر في منطقة بعيدة غير مأهولة، دون أي خدمات من ماء أو حمّام أو طعام. أما القضية الأشد صعوبة بالنسبة لهم فهي منعهم من العودة حتى الآن إلى بيوتهم، رغم أن المنطقة، كما تقول، التي أُجبروا على الخروج منها بفعل القصف، أصبحت تحت سيطرة التحالف وقوات سوريا الديمقراطية وتم كنس داعش منها.

 صورة

تلك الصورة ليست استثنائية للواقع الذي تعيشه المرأة الرقاوية اليوم، والتي تضيع أخبار معاناتها مع أخبار معاناةٍ

نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة

عامة مكثفة وكارثية، لا يجد فيها أصحابها متسعاً لفرز ألمهم حسب النوع، كما يطالب دوماً العالم المتحضر في قضية النساء. وقد أبدى كثيرون استغرابهم حين سألت عن بعض الأرقام، فلا معلومات موثقة ولا أرقام دقيقة تؤشر لحال المرأة على وجه الخصوص في هذه الكارثة. إلا أن الشهادات العيانية والواقع المصور بكل دقائقه لربما يغني مؤقتاً عن اعتماد البيانات الرقمية لمخاطبة العالم بما تعيشه المرأة الرقاوية وعائلتها في ظل هذه الحرب.

ما يقرب من أربع سنوات والمرأة في الرقة مغلولة الإرادة تحت سكين داعش وسوطها، وكانت تعاني قبلها، كوضع الرقة عموماً، من الفوضى عقب انسحاب النظام منها بسرعة وتركه جميع مواقعه العسكرية والخدمية، حيث سيطرت فصائل عسكرية مختلفة، ليستقر الأمر أخيراً على تنظيم الدولة “داعش”، ومن ثم اندلاع الحرب التي فتكت بالجميع. وغالباً ما تكون استجابة المرأة بمثل هذه الحالات أشد عمقاً وتأثراً مع غياب الزوج (لأسباب مختلفة) وتحملها أعباء العائلة، واعتبارها الحلقة الأضعف والفئة الأشد هشاشة وقت الحروب.

امرأة وأفتخر

لم تكن المرأة الرقاوية عبر تاريخها تعيش في عزلة، ولم تكن تكبلها تلك القيود الاجتماعية التي كبلت غيرها من

نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة

السوريات في مدن أخرى، فهي ابنة البادية المخلصة لعمقها وتقاليدها البدوية، مع ما أتيح لها من بيئة منفتحة ودعم إداري منذ إنشاء المدينة الحديثة. معظم الرقاويات متعلمات، يملكن الطموح والقدرة على القيادة كما تصفهن الناشطة النسوية الرقاوية منى فريج. فعدد لا بأس به منهن، كما تقول، تقلّدن مناصب عالية في الدولة والمجتمع من قبل، كما كان لها دورها في العمل والحياة الاجتماعية العامة. ولا يجد المجتمع الرقاوي غضاضة في مشاركة المرأة طقوس حياة الرجال، فلم تكن حبيسة الدار ضمن مجتمع نسوي مغلق، بل كان لها مقعدها في الجلسات الشعبية على خواصر الحارات والشوارع، تشارك الرجال أحاديثهم واحتساء القهوة ويعلو صوتها في إبداء الرأي، ولربما التعبير عن الغضب. وبرغم تمسك كثير من الرقاويات بالزي التقليدي وارتداء الحجاب، إلا أنه لا مشكلة اجتماعية في استقبالها ضيوف العائلة منفردة، حتى لو كانوا رجالاً، في غياب الذكور، فهذا مصون بالعرف العام ولا تمييز.

شاركت المرأة الرقاوية غيرها في ثورة الشعب السوري منذ انطلاقتها عام 2011، فقد نزلت الشوارع ونظمت المظاهرات وواجهت النظام بإطلاق حلمها في التغيير، ولمعت في ذلك بعض الأسماء النسائية، قبل أن تدور بهن وبغيرهن من الرقاويات الدوائر فيقعن جميعاً تحت حكم “تنظيم الدولة”، ليتقاسمن القهر والاضطهاد والقتل من “الدولتين”، دولة  الأسد التي تحارب الديمقراطية والتغيير بالقتل والاعتقال والتشريد، وأخرى مزعومة تسمى “داعش”، اتخذت من الرقة عاصمة لتوطيد حكمها، فكانت النساء أولى الضحايا.

رحلة الجحيم

تغلغلت “داعش” منذ سيطرتها على الرقة بين المدنيين أصحاب الأرض، والتصقت بهم وزرعت مقارها بينهم

نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة

بالإكراه. ثم استجلبت حاضنتها الخاصة من كل البلدان، وبينها نساء خُصصت لهن أدوار مختلفة، بعضهن للزواج وأخريات للتعامل مع نساء الرقة ومراقبتهن واقتحام البيوت وصالات الحلاقة والأعراس واتخاذ الإجراءات ضد الرقاويات، وهؤلاء يدعين نساء الحسبة.

أعلن التحالف الدولي بدء حملته العسكرية “غضب الفرات” في11/6/2017، لإنهاء وجود داعش في المدينة مستخدماً الضربات الجوية، في الوقت الذي شحنت فيه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مدافعها كقوات برية مدعومة أمريكياً، وبسبب تغلغل داعش بين المدنيين، واستخدامهم دروعاً بشرية، بدأت تلك القوات سياسة الأرض المحروقة عبر القصف العشوائي، مما أدى لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتشريد وهروب عشرات الآلاف، كانت النساء دوماً في مقدمتهم لطبيعة دورها.

وقد وثّقت حملة “الرقة تذبح بصمت” سقوط (1414) شهيداً منذ ذلك التاريخ حتى بداية شهر حزيران، نصيب طيران التحالف منها (1075) شهيداً مدنياً، باستخدام  أكثر من (1161) غارة جوية، فيما تسببت (قسد) في مقتل (65) شخصاً في الفترة نفسها عبر استخدام (1000) قذيفة، فيما قتلت “داعش” وقتها (274) شخصاً، معظمهم بسبب الألغام وحالات الإعدام الميداني للإعلاميين ومحاولي الهرب والمشكوك بتعاملهم مع الأطراف الأخرى. ولم تنشر أي جهة توثيقية إحصاءات خاصة حول جنس الضحايا، ولم تشر أي إحصائية إلى ما يخص النساء بشكل خاص. فيما يُظهر تعداد أوّلي غير رسمي سقوط (300) من الإناث، ما بين امرأة وطفلة خلال الفترة ذاتها، بينما حملت المرأة حصتها الأكبر بين تعداد المشردين والمهجّرين قسريا،ً مع من تتحمل مسؤوليتهم وحيدة غالباً من الأطفال.

حين تفقد المرأة نفسها

من داخل مخيم بُنيَ على عجل من النازحين أنفسهم، ترسم انتصار (43) عاماً،  وهي معلمة سابقة من مدينة الرقة،

نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج 12-موقع السيدة

صورة لنفسها والنساء الأخريات، في معادلة الجحيم التي يُشكلها المشهد الحالي وارهاصاته. وبوجه تفترشه ملامح القهر وانعدام الأمان والتيه، تقول: “لست أنا… لقد فقدت نفسي خلال سنوات الدم والخوف التي عشناها ولا نزال، لم أعد أتذكر رقم شهادتي الجامعية وكم بذلت من الجهد حتى تمكنت من الحصول عليها، قبل أن أُجبر منذ سنتين على تمزيقها بيديّ كمثيلاتي من صاحبات الكفاءات العلمية، تحت سوط تنظيم داعش، لنعلن زجراً توبتنا عما تعلّمناه في مشهد أقلّ ما يوصف بالجنوني، ولكنها مفارقة البقاء حيّاً في هذا الجنون”. وتضيف انتصار: “وجدت نفسي بعد كل ما تحملته نازحة خارج بيتي، الذي تحول على يد “داعش” إلى سجن وملجأ، وارتقى ليغدو قبراً يضم تحت ركامه جثتي زوجي وابني بعد قصفه بطائرات العالم المتحضر من قوات التحالف. هِمت بعدها على وجهي هاربة مع ابنتي نحو المجهول، لا نحمل غير ما نرتديه من ملابس، والتي لم نستبدلها منذ أسابيع. وبرغم هروب داعش من منطقتنا، إلا أنهم يمنعوننا من العودة ولو حتى لمجرد جلب بعض حاجاتنا الضرورية.

تحقيق: سعاد خبية  

The post نساء الرقة والزمن الخشن ج 1\2 appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد