نساء الرقة والزمن الخشن ج 2\2
موقع السيدة -

 

“أعرف الرقاويات جيداً”، تقول الناشطة النسوية الرقاوية منى فريج، “وأعرف تماماً هذا الألم الذي يعشنه، فبعدما كانت المرأة الرقاوية طيلة حياتها سيدة المضافة، تنتظر اليوم لقمة وهدمة وكأس ماء وصدقة لا تصل”. واقع نفسي مضطرب، وواقع إنساني أشد اضطراباً ووطأةً وسوءاً، هو ما تعيشه عشرات الآلاف من الرقاويات المشردات اليوم أو اللائي لا يزلن عالقات تحت رحى المعارك.

دعوها تمر

ونرى صور تلك المأساة الجمعية عاريةً في مخيم عين عيسى، الواقع ما بين الرقة وتل أبيض شمالاً على الحدود

نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة

التركية. منى العبد الله متطوعة رقاوية، في المخيم الواقع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وترعى بعض أموره منظمات دولية. تشير العبد الله إلى وجود أكثر من ألف امرأة داخل المخيم، معظمهن نساء وحيدات، وفي وضع أشد قسوة من مخيمات أخرى خارجه، بناها النازحون أنفسهم، وجميعها معدمة دون أي دعم. تقول: “إن معاناة المرأة في هذا المخيم مضاعفة، حيث لا اعتراف بإنسانيتها ولا خصوصيتها بالمطلق، لا ماء ولا إمكانية للنظافة الشخصية، وأقل ما نقوله لا فرصة لدخول حمّام مخصص للنساء، ولا مراعاة لكونها أثناء الدورة الشهرية أو بحالة ولادة، لا توجد فوط صحية أو حفّاضات للأطفال أو أي وسائل نظافة”.

الحياة في مخيم عين عيسى قاسية جداً على المقيمين، حسب العبد الله، فقيود على حركتهم، ساعة يومياً لمغادرته بورقة موافقة للخروج من إدارة المخيم، وبدون هوية شخصية. مع ذلك يوقف من لا يحمل بطاقة شخصية عند أول حاجز، ومن يحمل هوية مدينة الرقة يُمنع من دخول مناطق سيطرة “البيدا”، إلا في حال وجود كفيل، ومن يوقف دون هوية شخصية تتم إعادته إلى المخيم.

تعطي المتطوعة منى العبد الله، نموذجاً عن واقع إحدى العائلات هناك مكونة من ستة أشخاص، بينهم خمسة “عجزة”، كما تصفهم، ولهم معيلة واحدة (امرأة)، حيث يعيش الجميع في وضع كارثي، فهم يحتاجون، وبشكل مستمر، للرعاية والدواء وكرسي متحرك وحفّاضات بحجم كبير، بينما المتوفر لا يغطي إلا جزءاً يسيراً من الحاجة. الماء نادر، والدواء كذلك، بينما الرعاية الصحية في حدودها الدنيا، حليب الأطفال غير متوفر والحصول على الطعام معضلة حقيقية، وما يتوفر من مواد لا يغطي إلا جزءاً يسيراً من الحاجة العامة للمخيم.

فيما يلفت فراس ممدوح الفهد، مسؤول الصحة في المجلس المحلي للرقة، أن ما يقرب من 500 عائلة نزلاء في مخيم عين عيسى، جلّهم من الأطفال والنساء الذين تصل نسبتهم إلى نصف تعداد تلك العائلات، مشيراً أنه يتم استقبال وتخريج ما بين 1500 إلى 2000 نازح  يومياً.

قتل وتهجير

بلغ عدد سكان الرقة قبل الثورة (800) ألف نسمة، في حين تشير الأرقام الحالية إلى أن ما تبقى في الرقة من

نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة

المدنيين الرقاويين، باستثناء عناصر ومنتسبي تنظيم “داعش” ومن استجلبهم معه، يصل عددهم حسب توثيقات حديثة حوالي (80) ألف مدني يعيشون أوضاعاً كارثية مع سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها التحالف وقوات سوريا الديمقراطية ضد داعش. ويشيرون إلى أنه مع إعلان التحالف المستمر إن تنظيم الدولة “داعش” يستخدم مدنيي الرقة دروعاً بشرية، إلا أنهم لا يعاملونهم استناداً لذلك بل كأنهم جميعاً من الدواعش، ولا يعيرون مسألة حماية المدنيين نساء وأطفالاً كبير أهتمام، أو العمل على استثناءهم من عمليات القصف أو اجلائهم إلى مخيمات صالحة ومدعومة دولياً في مناطق آمنة داخل المنطقة.

هكذا تُقتل النساء

“لا طريقة فريدة لقتل النساء في الرقة”، تقول الناشطة ريمة عجاجي، “فهو قتل يطال الجميع بالأساليب ذاتها. فقد

نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة

تعرضت النساء في بداية الثورة لرصاص قوات الأسد وقصفه وغاراته، كالجميع. واعتقلن كذلك لأسباب إضافية، كجميع نساء سوريا، للضغط على أقاربهن الذكور، فيما طال القتل ذبحاً ورجماً بعض النساء الأخريات في زمن داعش لأسباب ربما لا تتعدى شكاية أو نكاية أو عدم التزامها بألوان الحجاب الرسمي وتعاليم الحِسبة. فيما تعرضت عائلات كاملة بنسائها وأطفالها ورجالها للقتل مؤخراً بسبب الألغام التي زرعتها داعش قبل مغادرتها مناطق سيطرتها.

وقُتلت نساء كثيرات في مجازر عديدة نفذتها طائرات التحالف (قُتل أكثر من 100 شخص من النازحين بتاريخ 6/6/2017 أثناء محاولتهم عبور النهر هاربين من داعش والقصف، كان معظمهم، حسب شهادات الأهالي، من النساء والأطفال. كما قُتل العشرات بمجزرة ارتكبتها طائرات التحالف بقصفها مدرسة البادية، وكان يقطنها نازحون من الرقة جلّهم من النساء والاطفال. كما قُتل عشرات المدنيين معظمهم أيضاً من النساء والأطفال، باستخدام الفوسفور الأبيض المحرّم دولياً من قبل قوات التحالف في الرقة بتاريخ 9/6/2017، لدى قصفهم جامع النور، الذي يقع في منطقة سكنية مكتظة، ونُشر الكثير من صور الجثث المبعثرة والمحترقة حول مكان القصف.

هواجسها.. مِمّ تخاف؟

بعد تنهيدة جافة لم ترافقها دموع، قالت سحر (35) عاماً، وهي رقاوية نازحة منذ أشهر: “فقدنا الأمان منذ فترة طويلة، كثيرات خسرن أزواجهن إما على يد داعش أو بقصف التحالف. كما فقدن أبناءهن بالوسيلة ذاتها أو بغسيل عقولهم واستجرارهم للانضمام إلى “التنظيم”. المجهول المفتوح أمام مصيرنا يرعبنا. هل سنعود إلى مدينتنا أم سيدوم تهجيرنا للأبد؟ نخاف أن يفتك الجوع والمرض والضياع والجهل بأبنائنا ونحن في هذا التيه.

قصة المعلمة نعمة

(نعمة. ع) 49 سنة، أم لستة أولاد، لاجئة في تركيا، معلمة معروفة وملتزمة في لباسها كغيرها من الرقاويات. بدأ

نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة
نساء الرقة والزمن الخشن ج2\2- موقع السيدة

التحريض عليها، كما تقول عندما دخلت داعش، وقبلها النصرة، الرقة بسبب عملها في التعليم، ولديها أربع بنات غير محجبات، وتملك بيتاً سكنياً فارغاً إضافة لبيتها الذي تقطنه. تفتحت العيون عليها واسعة، فتركت بناتها الأربع الدراسة وأخفتهن في البيت بعد احتجابهن. وقد أجبرتها داعش على الاستتابة، لأنها لا تزال تقبض راتبها كمعلمة من تربية النظام. ثم مُنعت من الخروج لاستلام مستحقاتها تحت التهديد بالقتل، فذهبت خلسة عبر طرق خطرة مع معلمات أخريات ليقبضن راتبهن من مديرية التربية في دير الزور.

ورغم وعورة الطريق وقطع معظمه مشياً، رفض حاجز النظام في مدخل دير الزور السماح لهن بالدخول كونهن من الرقة (داعشيات)، وتم ضربهن على الحاجز وشتمهن ومحاولة اعتقالهن لولا بعض التدخلات. عادت المعلمات عبر الطريق ذاته بين البراري الخطرة، دخلن الرقة خلسة أيضاً، ولكن شُكّ في امرهن. خشين عقاب داعش فحبسن أنفسهن في بيوتهن وبدأ التحريض على المعلمة نعمة، ليستولي بعدها عناصر داعش على الطابق السفلي من بيتها ويرموا بأشيائها خارجاً.

ثم بدأت التحرشات بها وبناتها عبر إجبارهن على الزواج، وبدأت عناصر داعش المقيمة في البيت نفسه السيطرة على ابنها اليافع وغسل دماغه بأفكارهم (وتصفها بالملوثة)، حيث بدأ يهاجم والدته وأخواته، ويفرض عليهنّ فروضاً كثيرة بالإكراه، حتى انضم إلى صفوف داعش علناً. حاولت انتزاعه وأخواته والنجاة بهم جميعاً، غير أنه هرب منها وبقي داخل الرقة، فيما أوصلت الأم بناتها إلى ما تعتبره بر الأمان، ولكنه كما تقول: “بر أمان مجبول بالتعتير”.

تحقيق: سعاد خبية

The post نساء الرقة والزمن الخشن ج 2\2 appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد