تاريخ من انقلابات قادت إلى نظام دموي لا يرحم في سوريا
موقع السيدة -

بعد نيل سوريا الاستقلال، وخروج المستعمرين الفرنسيين من أرضها، شهدت البلاد فترة قصيرة من الاستقرار السياسي وشيئاً من الرفاه الاجتماعي، رغم تحكم قلة من الإقطاعيين والصناعيين ورجال الأعمال في معظم ثروات البلاد. ثم تتالت انقلابات عسكرية نفذها ضباط طامعون في السلطة، حتى بات يقال في سوريا، وفي العالم العربي، أيضاً إن “من يستيقظ باكراً ينفذ انقلاباً في دمشق”. حتى قامت الوحدة بين مصر وسوريا في شباط/ فبراير 1958 لتنهيها أيضاً مجموعة أخرى من الضباط السوريين في أيلول/ سبتمبر1961، وبدأ عهد الانفصال.

بداية أخرى

جاء بعد ذلك انقلاب الثامن من آذار/ مارس 1963، الذي نفذه خمسة ضباط من ذوي الرتب العسكرية المتدنية، من مختلف المشارب السياسية المحسوبة على حزب البعث ومن ناصريين، بحجة إعادة الوحدة مع مصر. وأعلن منفذو الانقلاب أنهم وحدويون، عازمون تحت شعار “الثامن من آذار”، على ميلاد فجر وحدوي أصيل!

ولا بد من ذكر أنه عشية الثامن من آذار 1963، لم يكن عدد أعضاء حزب البعث يزيد عن 400 عضوٍ، كما لم تشارك قيادة البعث المدنية في الانقلاب، ولا عملت على التخطيط له، بل إن ميشيل عفلق، عندما سمع بنشاط تلك المجموعة من الضباط، حذر من “مغامرة مجهولة العواقب”. لكن بعد نجاح الانقلاب، استدعت اللجنة العسكرية الخماسية قيادة الحزب المدنية كي تكون واجهتها السياسية بسبب جهلها بمتاهات الحياة السياسية السورية، وجرّاء افتقارها إلى قاعدة شعبية وحزبية خارج الجيش، كذلك لحاجتها إلى فتح خطوط اتصال مع القيادة القطرية لحزب البعث في العراق، التي أعلنت إخلاصها لقيادة عفلق والبيطار.

لجنة خماسية

شكل خمسة ضباط اللجنة الحزبية في القوات المسلحة، وأخذوا على عاتقهم إعادة تنظيم صفوف الحزبيين في

تاريخ من انقلابات قادت إلى نظام دموي لا يرحم في سوريا-موقع السيدة
تاريخ من انقلابات قادت إلى نظام دموي لا يرحم في سوريا-موقع السيدة

الجيش العربي السوري، منطلقين من الإقليم الجنوبي (مصر)، حيث كانوا يتواجدون، إلى جانب عشرات العسكريين الحزبيين الذين نقلوا من الإقليم الشمالي (سورية)، بعد اختلاف الحزب مع نظام عبد الناصر، واستقالة الوزراء البعثيين من الحكم. ثم أكملوا مهمتهم بعد انفصال سوريا عن مصر، عبر ما عرف باسم “تنظيم الضباط الأحرار”، الذين قاموا بانقلاب 8 آذار/ مارس 1963.

وهم، وفقاً لتسلسل رتبهم العسكرية وقتذاك كالتالي:
1ـ المقدم محمد عمران من قرية المخرم التابعة لمحافظة حمص.

2ـ الرائد صلاح جديد من قرية دوير بعبده التابعة لمنطقة جبلة، محافظة اللاذقية.

3ـ الرائد أحمد الأمير، من مدينة مصياف التابعة لمحافظة حماة.

4ـ النقيب حافظ الأسد، من قرية القرداحة التابعة لمنطقة جبلة، محافظة اللاذقية.

5ـ النقيب عبد الكريم الجندي، من مدينة السلمية التابعة لمحافظة حماة.

ولم يكن هؤلاء الضباط الخمسة أبناء دورة عسكرية واحدة، وليسوا أبناء سلاح واحد في القوات المسلحة، كما لم يكونوا متقاربين في السن، ولا أبناء محافظة واحدة، بل عرف بعضهم الآخر في مصر حيث كانوا يعملون.

نشاط سري

وهؤلاء الضباط الخمسة، لم تسمهم قيادة البعث، ولم تكلفهم بمهمة الانقلاب، بل انتدبوا أنفسهم لها، وعملوا بسرية من”وراء ظهر” القيادة، ودون موافقتها أيضاً. ويضاف إليه، أن هؤلاء الضباط الخمسة لم يكونوا منتخبين من أي مؤتمر أو تجمع حزبي، كما لم يكونوا من أصحاب الرتب الرفيعة في أوساط الحزبيين في الجيش العربي السوري، ولا حتى من الضباط السوريين الذين وجدوا في الإقليم الجنوبي. إذن كيف اختاروا بعضهم البعض؟ وكيف تبادلوا الثقة على قلة ما يجمعهم من قواسم مشتركة، وقبلوا الاضطلاع بتلك المهمة التي لا شك بأنها كانت ستودي بهم، لو تم اكتشاف أمرهم؟

كسب وقت

تشير أدلة تاريخية إلى أنه بعد نجاح الانقلاب في سوريا، ومع عدم إغفال استيلاء حزب البعث في العراق على السلطة قبل شهر واحد فقط من 8 آذار/ مارس، أي يوم 8 شباط/ فبراير 1963، عبر انقلاب دموي على حكم عبد الكريم قاسم، دخلت الدول الثلاث “سوريا ومصر والعراق”، فيما سُمي بمحادثات الوحدة الثلاثية لإقامة وحدة بين الدول الثلاث. لكن لم تكن تلك المحادثات سوى محاولة لكسب الوقت، كي يتمكّن بعثيو الانقلاب السوري من تدعيم وجودهم الهشّ في السلطة والجيش، ولتصفية شركائهم الناصريين لاحقاً.

انقلاب فاشل

وبالفعل أمكن لهم تحقيق هدفهم يوم 18 تموز/ يوليو 1963، إثر محاولة انقلابية فاشلة قادها العقيد الناصري جاسم علوان، والتي تمت بتحريض من ضباط محسوبين على ناصريي الانقلاب.

حركات معارضة (1963- 1970)

ويمكن تصينف المعارضة السورية في إطار التصفيات المتلاحقة التي حدثت في تلك الفترة على الأسس التالية:
1ـ البرجوازية التقليدية السورية (الدمشقية والحلبية أساساً)، التي فقدت مواقعها السياسية والاقتصادية نتيجة الوحدة مع مصر، ومن ثم راودتها أحلام استعادة مواقعها غداة الانفصال، لكنها اختفت نهائياً مع انقلاب الثامن من آذار.

وتمثلت تلك البورجوازية في الحزبين، الوطني والشعب، وبعض الشخصيات المستقلة، كخالد العظم. ولكن هؤلاء، رغم شعبيتهم، لم تكن لهم قواعد شعبية منظمة، كما لم يكن لهم تنظيم حزبي، بحكم أنهم كانوا يمثلون نخباً مدينية تقليدية. ولذا لم يكن لمعارضتهم أي أثر يذكر، ولا استطاعوا القيام بأي فعل سوى أن غالبيتهم أجبروا على مغادرة سورية، أو اختاروا ذلك طوعاً، واستقروا في لبنان أو الأردن والسعودية، وهاجر بعضهم إلى أمريكا أو أوروبا.

2ـ الناصريون الذين انقلبوا إلى صفوف المعارضة بعد إزاحتهم كلياً عن السلطة إثر محاولة انقلاب جاسم علوان الفاشلة في 18 تموز/ يوليو 1963. ومع أن انقلاب الثامن من آذار كان بالأصل ناصرياً، لأن معظم الضباط الذين شاركوا فيه كانوا ناصريين، وكان هدفه المعلن يتمثل في استعادة الوحدة مع مصر، إلا أن الضباط البعثيون قلموا في النهاية بالتخلص من جميع الناصريين.

3ـ الحزب السوري القومي الاجتماعي

نتيجة التصفيات والملاحقات التي تعرض لها أعضاء هذا الحزب بعد اغتيال عدنان المالكي عام 1955، وهي التصفيات التي كان وراءها حزب البعث أساساً، لم يعد للحزب السوري القومي أي دور مؤثر في المشهد السياسي السوري بعد 8 آذار 1963.

وقد حاولت اللجنة العسكرية استمالة القوميين السوريين، عبر إطلاقها لسراح بعض أعضاء الحزب المحكومين بالسجن المؤبد إثر اغتيال المالكي، ومنهم محمد مخلوف شقيق زوجة حافظ الأسد، وفؤاد جديد شقيق صلاح جديد، وإعادة بعض الضباط المحسوبين على الحزب إلى الخدمة العسكرية، لكن كل ذلك تم على أسس مذهبية، فلم يكن لتلك المبادرات أي تأثير على الصعيد السياسي.

4ـ الشيوعيون السوريون

عقب انقلاب 8 آذار، كان الشيوعيون السوريون لا يزالون يشكلون فصيلاً واحداً لم تصبه دوامة الانقسامات بعد. وبدا موقفهم من النظام الجديد أقرب إلى دعمه بحكم تبنيه “للاشتراكية العلمانية، واعتباره الصراع الطبقي مبدأً رئيسياً في التطور الاجتماعي”.

لكن علاقة الشيوعيين السوريين بالنظام تأثرت سلباً بعد قيام الوحدة الاقتصادية في آب/ أغسطس 1963، ثم العسكرية في تشرين الأول/ أكتوبر 1963 مع البعث العراقي، وإرسال لواء سوري بقيادة فهد الشاعر إلى العراق، للمساعدة في قمع تمرد الأكراد وفلول الشيوعيين. لكن تلك العلاقات عادت وتحسنت بعض الشيء بعد انقلاب 23 شباط/ فبراير 1966، الذي جاء بمجموعة القيادة القطرية ذات التوجه اليساري إلى السلطة، والتي عملت على تحسين علاقات سوريا بالاتحاد السوفييتي.

4ـ الإخوان المسلمون

قام التنظيم بحلّ نفسه امتثالاً لشرط عبد الناصر عند قيام الوحدة، لكنه لم يظهر حماسة للوحدة مع مصر، كما لم يعارضها، كذلك لم يوقع الإخوان على وثيقة الانفصال. وكانت معارضة “الإخوان المسلمون” لنظام البعث، هي الأوضح والأبرز بين أطياف المعارضة السورية الأخرى، لما يتمتع به التنظيم من قاعدة شعبية، ونتيجة لتبني النظام الجديد سياسة علمانية اتخذت طابعاً طائفياً إثر عملية تسريحات جماعية طالت ضباطاً سُنة في الجيش، وإحلال ضباط من الأقلية العلوية والدرزية مكانهم، وأيضاً بسبب صدور نسخة منقحة من قوانين الإصلاح الزراعي والتأميم والمصادرات التي اتخذت طابعاً ريفياً “ثأرياً”، تجاه النخب البورجوازية المدينية، السُنية بشكل أساسي.

منحى طائفي

وبعد أحداث بانياس الدموية بين السنة والعلويين في نيسان/ إبريل 1964، وامتدادها إلى كل من حمص وحلب، ثم شمولها كل أنحاء سوريا عبر إضربات، بدأت السياسات في سورية تتخذ طابعاً طائفياً كان للإخوان المسلمين موقفٌ قويٌّ معارض لها، حين تصدت لها السلطة بشكل قمعي عنيف، وهو ما أدى إلى تلاشي أثر الإخوان في المشهد السياسي.

صراع على السلطة

بعد نجاح حركة شباط/ فبراير في الاستيلاء على السلطة، اكتملت سيطرة اللجنة العسكرية على الحزب والحكم في سوريا، كما أنهت علاقة الحزب بفرع العراق، وأدت إلى انقسام الحزب نهائياً إلى حزبين عدوين. ومن ثم بدأ الصراع على السلطة بين الضباط الخمسة.

وكان الرجلان الأقوى في اللجنة العسكرية هما صلاح جديد وحافظ الأسد.

استخدام جميع الوسائل

كان صراعاً مفتوحاً استخدمت فيه كل الوسائل المتاحة من طروحات حزبية وإيديولوجيات قومية وماركسية، وخرج عبد الكريم الجندي من حلبة الصراع قتيلاً في 4 آذار/ مارس 1969، ثم صدرت برقية عن المخابرات العسكرية التابعة لحافظ الأسد، أن الرفيق “الجندي” انتحر بمكتبه بسبب محاصرة قوات من المخابرات العسكرية لعناصره.

تركيز على القوة

وبموت عبد الكريم الجندي، وخروج محمد عمران وأحمد الأمير من أعضاء اللجنة العسكرية سابقاً من السلطة، لم يتبق سوى صلاح جديد وحافظ الأسد، واستطاع الأخير حسم الصراع لصالحه، عسكرياً وأمنياً بالطبع، عبر قيامه بالحركة التصحيحية في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 1970، حيث زج بصلاح جديد في السجن ولم يخرجه منه إلا جثة هامدة.

استئثار بالسلطة

وبدأ عهد حافظ الأسد بالتركيز على القوة بوصفها الأكثر أهمية من الإيديولوجيا، ومن ثم على الاقتصاد، حيث مارست الدولة دورها كلاعب رئيسي في الاقتصاد بهدف زيادة الإنتاج وحسب، وليس لتحقيق مجتع قائم على المساواة. ويقول محللون” “إن حافظ الأسد أراد أن يعطي مشروعية لانقلابه العسكري للاستئثار بالسلطة، بحيث يبدو محرراً وبطلاً، بعد أن تجرع كأس الهزيمة المرة كوزير للدفاع في حرب 1967، أو قبض ثمنها، ورمى الهزيمة على أكتاف نظام لم يكن هو رئيس الجمهورية فيه، فمضى يعلن حرب التحرير”. وقد تحالف الأسد مع السادات، الذي كان بدوره تواقاً لتسجيل انتصار عسكري يباهي به، ويمحو صورة عبد الناصر الكاريزمية في نظر مؤيدي تياره القومي.

مشاركة عربية

ورغم أن العرب لم يتركوا الأسد وحيداً في مواجهة إسرائيل، فشاركت فرق عسكرية عربية في الحرب، وقطعت دول الخليج النفط عن الولايات المتحدة لبنائها جسراً جوياً لدعم إسرائيل، إلا أن القوت السورية التي تقدمت بشكل كبير ومباغت، سُرعان ما تُركت بدون تغطية جوية بل بدون إمدادات في عمق الجبهة.

وهنا لا بد من التساؤل عما إذا كان ذلك بريئاً. وبعدها وقعت الهزيمة الكبرى حين نجحت القوات الإسرائيلية في دفع القوات السورية إلى ما بعد خط الهدنة لعام 1967، وباتت تهدد دمشق. وتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار بناء على مبادرة أطلقها وزير الخارجية الأمريكي الشهير هنري كيسنجر.

البراغماتية سمة مميزة

وكانت البراغماتية هي السمة المميزة لسياسات حافظ الأسد المحلية، والعمل على تركيز الثروة في يد فئة صغيرة من أقربائه والموالين له. واستمر هذه النهج في عهد ابنه بشار الأسد. وبدا أن الهدف الأهم لحافظ الأسد هو الحفاظ على النظام، فوضع كل طرف في المجتمع تحت سيطرته الحازمة، ثم شكل مجلسَ شعب مطاوعاً، وشكل أيضاً الجبهة الوطنية التقديمة التي ضمن بها تأييد ودعم خمسة أحزاب سورية أخرى، كان يعتبرها تقدمية. ولكن أمكن لحافظ الأسد إخضاع زعماء تلك الأحزاب لإرادته عبر منحهم بعض الامتيازات المادية الرخيصة، فيما سجن المخالفين، ومن ثم تفرد بالحكم كديكتاتور إلى أن قضى في عام 2000، وانتقل الحكم بالوراثة لابنه بشار، ليسير على نهج والده.

إعداد: جمانة علي

The post تاريخ من انقلابات قادت إلى نظام دموي لا يرحم في سوريا appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد