تكريس الديكتاتورية في أروقة المساجد… نسائياً..حدث ذات يوم في مهزلة انتخاب الرئاسة في سوريا 2014
موقع السيدة -

مقدمة:

لايستحضر هذا المقال ضرباً من ذكرى أليمة فيما آل الوضع عليه سنة 2014، وتأسس عليه لاحقاً في تثبيت أركان الديكتاتورية اللاوطنية في سوريا، ورأس نظامها،بل في فهم كيفية الإستغلال السياسي للدين وتعبيراته الإجتماعية والأهلية، من خلال علاقته بتنظيم نسوي كان يعمل في الظل، وبعيداً عن السياسة والظهور الإعلامي وإقحامه في دائرة الضوء والتشنيع باستغلاله، في لعبة المال والسلطة والترهيب.

وعندما نصف هذه الديكتاتورية باللاوطنية، فإننا لا نعتمد معيارالعداء الإعلامي والسياسي المبتذل لإسرائيل- كما هو حاصل في توضع النظام ضمن محور محدد- بل من اعتبارين رئيسين، الأول: موقف النظام من مصالح شعبهوتوفير مقومات العيش الكريم والآمن والكرامة الإنسانية لعموم مواطنيه ومواطناته، في دولة قانون ومواطنة، وفي توفيرسبل مواجهة المشروع الإسرائيلي، والذي لا يتحقق إلا بوجود شعب حر.والثاني: في قطع الطريق، على كل ماكان يحدقبسوريا من فرضمسار كارثي وطنياً وإنسانياً، أودمار شامل. وعوضاً عن اختيار هذا النهجفي قيادة البلاد، قاد النظام الوحشي مسار العنف الذي لايحرض إلا على العنف المضاد، ويقود بالبلاد إلى ماكان يتوخاه المشروع الصهيوني تماماً في سوريا،فيما لو قيّض له احتلال البلاد طولاً وعرضاً، أي تدمير سوريا ونسيج مجتمعها التاريخي الغني والمتعدد، وتدمير ماراكمه هذا الشعب الأبيّ ودولته الوطنية بعد الاستقلال من بنى تحتية ومنجزات عمرانية وصناعية وزراعية رغم ظروف الحصار والصراع مع إسرائيل، والتحديات المحيطة. عملياً تحقق الكثير من أهداف هذا المشروع، وذهبت هباءً عنتريات المقاومة والممانعة في قاموس النظام أدراج الرياح، أمام فظاعة وأهوال ماجرى.

التباس وغموض أم تداخل في الخطوط؟

جرى الكثير من اللغط وسوء التقدير عن حقيقة المشاركات في الحفل النسوي داخل الجامع الأموي بدمشق، للدعاء وتجديد البيعة لـ بشار الأسد في انتخابات الرئاسة 2014 وربط هذا الحشد الذي قدر ب4000 مشاركة بـ “جماعة القبيسيات” فما حقيقة ماجرى؟ وماهي طبيعة السياق الموضوعي الذي انتظمت فيه جملة المواقف والأحداث التي كانت تصب في هدف تكريس مشروعية سياسية- شعبية – دينية بلون “سني أكثري”!

في جملة المواقف وعلاقة النظام التاريخية مع القطاعات الاجتماعية والتقليدية السورية، كان للوسط الدمشقي البورجوازي والطبقة الوسطى اهتمام خاص ومراعاة لمتطلباته ومصالحه، مبنياً بالأساس على غياب أي موقف تنافسي على السلطة السياسية، أو ميل للإزاحة مقابل ضمان مصالح تلك البورجوازية على كل الصعد التجارية والخدمية والصناعية والمؤسسية الدينية. ثمة الكثير من الأقنية والتشابكات التي ضمنت “بُنية” تلك الآلية التسلطية، وتظهيرها بكونها غير تسلطية. ولأن الشخصية الدمشقية تتسم – تاريخياً- في خاصية “احترام القوة”، بحضور رأسمالها الرمزي والمعنوي،جنباً إلى جنب مع رأس مالها المادي، دون انصياع من جهة، ودون تماهٍ مع المتسلط، بلفي القدرة على وضع الحدود والمسافات بينها وبين حضور السلطة بشقيه المدني والأمني – العسكريمن جهة أخرى. ضبْط مضمون هذه العلاقة لم يمر دون توترات أو تماديات من قبل السلطة التعسفية التي استمرأ جنوحها بعد انتهاء أعمال العنف والعنف المضاد في الثمانيناتلتجاوز الخطوط الحمراء،هذا ماكان واضحاً في سلوك جناح من أجنحة النظام ممثلاً بالديكتاتور الفاشي رفعت الأسد، الذي لايزال قبح أفعاله ورجاله وجهازه الفاشي القمعي”سرايا الدفاع”يزكم الأنوف حتى الآن، سواء من خلال اعتقال الرموز البورجوازية والتضييق عليها، أو من خلال “فرض” الشراكات المالية معها وفق معادلة المال مقابل الأمن، فضلاً عن “الخوّات” خارج أي نظام ضريبي معتمد لدى الدولة السورية. ثمة الكثير من الأذى والتجاوزات التي قادها الديكتاتور رفعت الأسد، وهو ما تؤكده آلاف المرويات والإعتداءات الفعلية التي طالت النساء كما الرجال، وكلنا يذكر حادثة “خلع الحجاب” عن رؤوس السيدات والصبايا مطالع الثمانينات، على يد الشبيبيات والشبيبة الموالية له.ويبدو أن الديكتاتور رفعت كان يريد بمواقفه الفاشية آنذاك تقديم شخصه وخطه البرنامجي كممثل للنظام كما للبورجوازية السورية، بكل أجنحتها، في المحافل والمراكز الدولية والإقليمية، في تخندق صريح آنذاك مع العديد من المحاور الإقليمية والدولية، وحل الصراع العربي- الاسرائيلي بأفق التسوية والتصالح والإنفتاح أكثر وأكثر على رأس المال النفطي الريعي.

حقبة التسعينات والانفتاح المضبوط

بعد حملة الإفراج عن المئات من المعتقلين والمعتقلات السياسيات، وإصدار القانون رقم10 الذي قونن آليات الإنفتاح على رأس المال العربي والدولي، بعد الجمود الاقتصادي الذي اتسمت فيه مرحلة الثمانينات، وفي محاولة لطمأنة رأس المال المحلي والخارجي لتخطي التشريعات والمؤسسات الاشتراكية والعامة التي تخضع لقطاع الدولة الاقتصادي،كان واضحاً ميل النظام وأجهزته لضبط الميل الموضوعي للمجتمع السوري نحو الأسلمة”المعتدلة والمعدلة” وفلترة مؤثراتها النفطية والإقليمية، وعلى الأقل أن تكون تحت رقابته وضبطه.

في هذا المناخ من التوجهات تعززت ظاهرة القبيسيّات وحلقاتهن النسوية الدينية بتوجيه ومبادرة من الداعية السيدة منيرة القبيسيالمولودة في”1933″ التي كانت تتلقى دعمها من مفتي الجمهورية في حينه “أحمد كفتارو”، وكانت تتوخى التركيز على الجانب التعليمي والتدريسي في إعادة تنظيم وصياغة الوعي الاجتماعي للناشئة من البنات والصبايا في توجيه ديني من خلال دروس الوعظ الدينيفي البيوت، ولاحقا في المدارس الخاصة والمعاهد التعليمية الخاصة بحفظ القرآن، والتي اعتمدت بتسمية معاهد “الأسد لحفظ القرآن” في كل المدن السورية لكافة الفئات العمرية، وكانت تتلقى الدعم الخفي عبر أقنية رأس النظام، رغم متابعته الأمنية لها، كما كانت تتلقى الدعم المالي بتغذيتهاالاجتماعية الذاتية الخاصة مما تملكه من مدارس ومعاهد وتمويل مشتركاتها، فضلاً عن دعم وتبرعات العائلات الدمشقية الميسورة.غالباً ماشجع النظام ورأسه آنذاك حافظ الأسد هذا المسار الذي يسعى لفصل الطقس الديني وشعائره وتعاليمه المدرسية والأكاديمية عن السياسة بكل تجلياتها، ما خلا استثماره السياسي والإعلامي للظاهرة، في الظروف السانحة.

كانت مواقع تجمع القبيسيات في المجتمع الدمشقي، كما في مدن أخرى، تتوطد سنة بعد سنة مستندة إلى “لاسياستها” وعدم انخراطها في الشأن العام من ناحية، وتركيز فاعليتها على النشاط الدعوي والوعظي، وهو ما أتاح لها امتداداً اجتماعياً إلى درجة وصل عدد منتسباتها إلى 75 ألف منتسبة.

وبفضل خيارهن “اللاسياسي” المدعوم من أوساط النخبة الاقتصادية الدمشقية، استطاع النظام توفير قاعدة اجتماعية مستقرة، وحدا الأمر به إلى سماح النظام بإقامة الدروس والحلقات في المساجد. ولا يتعلق الأمر بالخروج من السرية إلى العلن على الإطلاق، إذ أن القبيسيات لم تكن جمعية أو تنظيماً سرياً في أي يوم من الأيام.

نظام فاقد للشرعية كتاجر متهالك يفتح دفاتره القديمة

في محاولات يائسة للملمة أوراق دعمه الاجتماعية القديمة، وتثبيت دعائم شرعية سياسية، أبرز النظام السوري”القبيسيات” كقوة دعم اجتماعي في العاصمة دمشق، ووجه من خلالها رسائل داخلية وإقليمية، وهو ماظهر جلياً، وباستخدام ديماغوجي وغوغائي إعلامياً وسياسياً، سنة 2014، حيث كانت البلاد تغلي بمرجل العنف والإرهاب، وبسيرورة مسار الأحداث التخريبي للثورة،المتعدد الأطراف، وتحولها لحروب إقليمية ودولية ضروس، اجتمعت 4000 امرأة في كنف المسجد الأموي، ليعلنّ ولاءهن ودعمهن للنظام، ولبشار الأسد، وتأييدهن لهُ لفترة رئاسية قادمة.

قبيسيات… غير قبيسيات

تضاربت الآراء بخصوص مساهمة القبيسيات في هذا الحفل الداعم للنظام والتجديد للبيعة داخل الجامع الأموي في صيف 2014، وفي انسياقها إلى مواقف سياسية، داعمة رغم أنوف”شيخاتهاوآنساتها”، مع العلم أن جماعة القبيسيات لم تعمل أو تتحرك في إطار برنامج أو مشروع سياسي معلن، لكنها ومن خلال بعض شخصياتها البارزات، وعلاقتهن بمراكز القرار السياسي والحكومي”وزارة الأوقاف”، استطاع النظام الضغط والمتابعة التي وصلت إلى حدود الاعتقال بغرض استغلال الظاهرة واستخدامها المنهجي مع باقي الجماعات المدنية والأهلية والدينية، وتدعم الكثير من الروايات الموضوعية تعرض التجمع للعديد من الضغوط وتقديم التنازلات عن نهجه الذي اتسم به عمل التنظيم النسائي، بعزوفه عن السياسة، وتركيز جهوده للدرس الديني والدعوي، وكما تقول القبيسية السابقة “سهير أومري”:”لم يتعلق الأمر بمؤامرة بين قيادة الجماعة والنظام وأجهزته السياسية والأمنية، بل فيفرض إكراهات تدريجية على التجمع النسوي”،وهو ما أوجد في المقابل هوة بين القطاع العريض للتنظيم من النسوة في قاعدة التنظيم وبين نخبة التنظيم، انعكس في انشقاق عضوات، وانحيازهن إلى خيار الثورة، لكن دون أن يمس هذا الإنشقاقالبنية التنظيمية والهرمية،و”طبيعة” الحياد الذي أضحى يوماً بعد يوم حياداً زائفاً، خاصة مع ربط الإكراه السياسي بالإكراه الاقتصادي، حيث تعمل آلاف القبيسيات كموظفات في مؤسسات ومعاهد الأسد الدينية،اللواتي تؤكد مصادر موثوقة مشاركتهن في إعلان الولاء وتجديد البيعة. هذا يقودنا إلى أسلوب “التحشيد”، الذي يتّبعه النظام في محاولة لإلحاق أي قطاع اجتماعي بسياساته وخياراته الديكتاتورية، وإلغاء أي هامش استقلالي، رغم ترعرع هذه الظاهرة في كنفه، دون أن يقودنا ذلك إلى الاستنتاج البديهي أن تلك الحركة مرتبطة بنيوياً بالنظام.

 

الدين ليس “قطاع خاص” في سوريا

لايوجد في سوريا قطاع خاص للمؤسسة الدينية رغم ارتباط الكثير من الجماعات الدينية باشخاصها المؤسسة. الموقع الطوبولوجي لهذه الجماعات في موقع وسيط بين دائرة النظام ومؤسساته السلطوية وتشابك موقعها مع المؤسسات الحكومية التي تجسدها وزارة الأوقاف، وهذه الجماعات تعمل كمعبر ووسيط بين أجهزة ومؤسسات النظام والدولة من جهة، والقطاع الاجتماعي والأهلي من جهة أخرى، وذلك في سياق سياسة تاريخية شاملة اعتمدها النظام لعشرات السنين، والتي تتلخص باحتكار واحتواء منابع الضمير الفردي”الديني” من خلال مؤسساته الحكومية، أو أجهزته”فوق الحكومية”.

 

ذهان المشاركات مدان… لكن التفهم موجود

مامن سوري عاقل إلّا وأدرك ماهية ودوافع هذا الحفل الذي يمكن اعتباره حفلاً نمطياًلديكتاتورية تتوسل الأرض والسماء لإعلان وتثبيت شرعيتها المتهالكة. ثمة بالمقابل أوساط ترغم على القيام بما يتعارض مع قيم بيئتها، وقد تعرضوا لغسيل دماغ منهجي مركب: سواءً من تلك المؤسسات التعليمية التي تتظاهر باستقلاليتها، والتي تعج بمناهج تعليمية دينية عفاعنها الزمن، أوغسيل دماغ أجهزة النظام الإعلامية التيلاتزال قطاعات إجتماعية، تخضع لأكاذيبها وديماغوجيتها،ولا ترى جذر الأزمة في سوريا وسيل الجرائم التي ارتكبها النظام ومايزال، إلّا في أفق هذه الديماغوجيا، بوعي ذهاني منفصل عن الواقع.

خاتمة:

ماجرى في سوريا خلال السنوات السبع العجاف  المنصرمة كان، ثورة، في كل أوجه ومعاني تلك الثورة، على الأقلمن ناحية الكشف عن المسكوت عنه في القاع الاجتماعي والسياسي للمجتمع السوري، في طبيعة تلك القطاعات الاجتماعية التي كانت تعمل كالخفافيش،وفي ظهور بنى اجتماعية متخفية بجلابيب مختلفة ومتلونة حسب الطلببسبب القمع المزمن لها، وفي انكشاف تصدعاتها وهشاشتها أمام تحدي ماجرى بُعيد منتصف آذار2011.

لم يعد امتلاك حقيقة المجتمع السوري ملك مصنفات الأمن السوري على اختلاف “اقطاعياته”، فمعرفة التاريخ الحقيقي للبلد ملك أبناءها ونخبها المثقفة ومناضليها على الأرض.

غالية الريش

The post تكريس الديكتاتورية في أروقة المساجد… نسائياً..حدث ذات يوم في مهزلة انتخاب الرئاسة في سوريا 2014 appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد