كتيبة الخنساء..عندما تعذب النساء مثيلاتهن
موقع السيدة -

قد تكون الدكتاتوريات العربية الحاكمة منذ عقود في الكثير من الدول، هي أسوء ما واجهته الشعوب العربية، بشموليتها وأنظمتها الأمنية، وآلياتها المتبعة،من قمع واعتقال واستحواذ على كافة مظاهر الحياة من ثقافية وسياسية واجتماعية، إلا أنّه يحدث أن يظهر شكل وتجل آخر للديكتاتورية، و يكون هذا الظهوربطابع ديني ضمن حركات لا تمتلك شرعية سياسية.

ويبدو واضحاً تنامي ظهور هذه الحركات الدينية في السنوات الأخيرة في البلاد العربية،التي هيبمعظمها حركات إسلامية تدعولإقامة دولة الخلافةأوتطبيق الشريعة الإسلامية والعودة بحاضرنا إلى الماضي، أوكل ذلك مجتمعاً، وتعتمد معظم هذه الحركات على تفسيرات خاصة، متباينة، وخاطئة للنص القرآني، وتأخذ من فكرة الجهاد هدفاً أساسياً تضعه أمام المنتسبين إليها.

المشكلة تكمن في حالة الفوات التاريخي التي يعيش فيها هؤلاء الدعاة، فهم يجهلون جهلاً تاماً أن مايصلح للقرن السابع لا يصلح للقرن الواحد والعشرين، وأن العقل،وبأسوأ حالاته ووعيه غير قادر على العودة إلى ذاك الزمن لمجاراتهم، فلم يعد من الممكن إلغاء حقوق الشعب المدنية، وحقه في اختيار نظام حكمه وطريقة حكمه، وكيفية عيشه وسلوكياته.

تنظيم الدولة الإسلامية، هو إحدى هذه الحركات والذي أعلن عن نفسه مؤخراً في عام 2014، كحركة جهادية إسلامية، تريد نشر دين الإسلام وإعادة الخلافة الإسلامية إلى أرض بلاد الشام، وكان التنظيم بدأ نشاطه منذ عام 2006 كجزء من تنظيم القاعدة.

في ظل أنظمة قمعية أو حركات إسلامية مشابهة، تعيش المرأة تجربة مختلفة وقاسية، قد تترك آثاراً كبيرة على الجانبين النفسي والجسدي في حياتها، فالمرأة تتميز في مجتمعاتنا دائماً أنها الأقل شأناً والأكثر عرضة للاضطهاد والظلم، وذلك وبجزء كبير منه ناتج عن تفسيرات دينية، فكيف بوضع المرأة في مناطق سيطرة حركات جهادية كتنظيم الدولة الإسلامية، تعتمد في كل مناحي الحياة على الشريعة الإسلامية وتفسيراتها.

تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام كان له طرق مختلفة في تعامله مع النساء،

فقد اشتهر بسبي النساء، وتزويج الفتيات، والقاصرات منهن لأعضاء التنظيم رغماً عنهن، وغيرها من الانتهاكات لحقوق المرأة في مناطق حكمه. في سوريا كان للتنظيم شكل مختلف في كيفية تعاطيه مع المرأة، وفرض أحكام الشريعة عليها، ومحاسبتها وذلك باستخدام آلية جديدة لعمله وهي استخدام نساء لتطبيق قوانينه على النساء، حيث أعلن قادة من التنظيم عن تشكيل كتيبة الخنساء في شهر شباط من العام 2014، وذلك قبل أن يعلن عن قيامالتنظيمنفسه. كانت هذه الكتيبة مؤلفة من نساء يحملن جنسيات مختلفة وكن في البداية يعملن على استقطاب نساء من سوريا ومن الخارج عبر الانترنت، حتى وصل تعداد الكتيبة لما يقارب 1000 مقاتلة، واللواتي خضعن لمعسكرات تدريب منظمة من قبل التنظيم.وقسمت الكتيبة إلى فصائل، كل فصيل له مهمة محددة.كان يطلق على الأوربيات”مهاجرات” وكن الأبرع في عمليات الاعتقال والتعذيب، فيما كانت معظم النساء السوريات يؤخذن قسراً للتطوع والعمل في الكتيبة، وكانت هناك نساء مهمتهن الوحيدة هي استقطاب النسوة وتقديم الإغراءات لهن من مال وغيره.للانضمام للتنظيم.

جاء قرار تشكيل هذه الكتيبة رداً على عمليات اغتيال قام بها عناصر من الجيش الحر لرجال من التنظيم وهم يتنكرون في زيٍ نسائي، إثر ذلك قام التنظيم بتشكيل الكتيبة والتي كانت مهمتها في البداية تفتيش النساء في الأسواق والأماكن العامة، من ثم دخلت الكتيبة في عمل نظام الحسبة، وأصبحت تقوم بمهام أكثر من التفتيش والمراقبة، رافق تشكيل الكتيبة حملة ترغيب من قبل التنظيم للسوريات والأوروبيات الراغبات بالانضمام،فكانت كل من “سوسنالعبيد” و”فادية العلوش” تقودان الكتيبة وهماسوريتان، فيما أوكلت الهيكلية التنظيميةل”أقصى محمد” وهي بريطانية الجنسية، و”أم ريان” وهن زوجات لقادة عسكريين في التنظيم.

كان الهدف الأساسي لنساء “الخنساء”، توسيع كتيبتهن والسيطرة على النساء في المنطقة التي يتواجدن فيها، قامت هذه الكتيبة باستجرار الكثير من الفتيات وذلك بتقديم مبالغ مالية شهرية،ًتختلف حسبوضعهن العائلي “عازبات – متزوجات – عدد الأطفال – والجنسية التي يحملنها” كما تم تدريبهن على كيفية استخدام كافة أنواع الأسلحة، ومهارات القتال من قبل أعضاء التنظيم في معسكرات خاصة.

كتيبة الخنساء حولت حياة النساء في مدينة الرقة إلى جحيم، فقد كن بارعات في ملاحقة النساء، من تخرج بدون محرم أو لا تلتزم اللباس الشرعي،ففي أولى أيام وجود التنظيم فرض لباساً خاصاً للنساء وهو عبارة عن عباءتين فوق بعضيهما إضافة للدرع الذي يخفي الملامح الأنثوية وغطاء الرأس واليدين.

كما كانت الكتيبة تلاحق زوجات رجال التنظيم ومدى طاعتهن وقيامهن بالواجبات الموكلة إليهن، فيما كان هؤلاء الرجال يتزوجون قسراً من أي فتاة يريدون حتى ولو كانت متزوجة. اختلفت أساليب المحاسبةبين فرض عقوبات مالية، أو الجلد والتعنيف بوسائل وطرق لا يمكن للعقل أن يتصورها، كانت إحدى وسائل التعذيب ما يسمى “العضاضة” وهي آلة تشبه الكماشة تغرس في صدر المرأة المخالفة للشريعة والتي تقوم بإرضاع طفلها بالشارع أو في مكان عام، ممايسبب لها نزيفاً وألماً فظيعاً في منطقة الصدر.

وحسب شهادات نساء كن في مناطق سيطرة التنظيم وتضررن من وجوده، عانت نساء الرقة والبوكمال ودير الزور من ظلم شديد وعنف وحشي إثر تواجد كتيبة الخنساء في هذه المناطق، كانت أحد أشكال هذه المعاناة هو اعتبار التنظيم للنساء المتزوجات من عناصر الجيش الحر زانيات، وذلك بسبب تصنيفهم لجميع مقاتلي الجيش الحر على أنهم كفرة ومرتدين. ومنذ أنشأت الكتيبة في العام 2014، أوجدت قوانينها الخاصة،التي تضم مجموعة من السلوكيات التي على النساء أن تقلع عنها أو تلتزم بها، و تكفلت نساء الكتيبة نفسها من خلال هذه القوانين بمعاقبة أي امرأة تخالفها. يمكننا اعتبارهذا الشكل من العنف استثنائي، حيث تطوعت نساء لمحاسبة من هم مثلهن جنساً ومعاناة، لنرى امرأة تعاقب امرأة على سلوكيات بسيطة هي من أبسط حقوق الحياة لأي إنسان، مخالفات بذلك حقوق الإنسان واتفاقية السيداو لحقوق المرأة، أضف إلى ذلك أن هؤلاء النسوة ، هن من كنّ يشرفن ويقمن بحملات اعتقال للنساء والفتيات، من أجل إمتاع رجال التنظيم وخدمتهن.

لم يقتصر عمل الكتيبة على ذلك، بل كان لها أدوار أخرى في مساعدة المقاتلين وتضميد الجرحى، وإعداد الطعام لمقاتلي التنظيم.

بعد انهيار التنظيم في العراق والشام وخروجه من مناطق سيطرته، عادت معظم النساء المهاجرات اللواتي كن يعملن لصالح التنظيم إلى بلادهن، إلا أنه وبحسب دراسات أمريكية وبريطانية، فالتخوف كبير من أن يستخدم التنظيم هؤلاء النسوة لعمليات له في الخارج من خلال التفجيرات والعمليات الإرهابية. وترى الدراسات أن أعداد النساء المنتسبات والمقاتلات في التنظيم في تزايد كبير، وأنهن أصبحن جزءاً أساسياً في عمليات التخطيط والتنفيذ للعمليات العسكرية.

فالمرأة  ضمن أية منظومة كانت ظلت هي الأكثر عرضة للظلم والعنف، مع تعدد الأسباب والدوافع، بحسب العصور والأزمنة، لكن يبقى الشيء الوحيد الثابت، أنهاوحدها من يقع هذا الظلم والقهر.

كيف يمكن لفتاة تعيش في القرن الواحد والعشرين أن تسبى، أو تستخدم لأغراض جنسية،أو تعتقل لشكل لباسها أو خروجها وحدها، دون محاسبة للفاعلين أو القدرة على فعل شيء من أجل إنقاذها؟ يبدو هذا أشبه بحكايات الخيال، إلا أنه حدث فعلاً في سوريا والعراق، ولا زال يحدث حتى اللحظة دون خوف أو رادع.

الحضارة والعصور الحديثة قدمت للجنس البشري، أنظمة حكم ديمقراطية، وهي أنظمة نتجت عن كل التجارب والثورات والصعود والسقوط لأشكال من الحكم مشابهة لأشكال الأنظمة العربية والحركات الجهادية، وبالطبع لا مفر لمسلمي هذا العصر ممن يظنون أن بإمكانهم استرجاع عهد الخلافة الإسلامية، أن يستوعبوا ويصلوا إلى الوعي الكافي باستحالة ذلك، وبأن الدولة المدنية الحديثة هي المستقبل الوحيد المقبول ولاشيء غيرها، هذا إلى جانب أن يؤخذ بعين الاعتبار بأن حقوق المرأة، من حق وجودها وتمتعها بالحماية والأمن، والحفاظ على حياتها، وممارسة هذه الحياة بالطريقة التي ترغب، كل هذا يجب أن يصبح واقعاً قائماً لا جدل فيه، فلا يمكن فصل حرية المرأة وحقوقها عن حرية الإنسان بشكل عام، وليس من المقبول التعامل معها كشيء يباع ويشترى، يستخدم ويستغل.

زينة عامر

The post كتيبة الخنساء..عندما تعذب النساء مثيلاتهن appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد