مكاسب المرأة التونسية لم تجعلها بمنأى عن الانضمام إلى صفوف الإرهابيين
موقع السيدة -

حظيت المرأة التونسية مقارنة بنظيراتها في الدول العربية بمكاسب وقوانين متقدمة أهمّها مجلّة الأحوال الشخصيةالتي نصّت على مجموعة إجراءات تقرّ خصوصاً منع تعدّد الزوجات، ومنع تزويج المرأة قسراً، ومنح الزوجين الحق في طلب الطلاق، وغيرها من الإجراءات التي ميّزت المرأة عن غيرها من النساء العربيات. وقد شهدت المكاسب القانونية تطوراً بعد الاستقلال ليترسخ أكثر بعد ثورة 14 يناير بإقرار دستور جديد والمصادقة على قانون القضاء على العنف ضد المرأة.
واستمر أمل المرأة في أن تمثل الثورة دعماً لمكاسبها وتطويراً لها في اتجاه المساواة التامة والفعلية، لا سيما وأنّ الدستورالجديد حسم مسألة المساواة التامة بين الرّجل والمرأة في فصله العشرين لينصّ على أنّ “المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز”. فيما نصّ الفصل 46 على أن “تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات”.
وحتى وقت قريبلم يكن للمرأة التونسية القدرة على السفر مع أبنائها القاصرين دون ترخيص من الأب. لكن في ديسمبر 2015، صدر أمر يمنح المرأة الحق في السفر مع أبنائها دون ترخيص الأب. كما دعى رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي في 13 أغسطس 2017 وبمناسبة عيد المرأة إلى مراجعة مجلة الأحوال الشخصية بما يحقق المساواة في الإرث، وأيضاً دعوته للسماح للتونسيات بالزواج بغير المسلم. كما صدر أيضاً قانون جزائي أصبح لا يتوقف بموجبه تتبع من يغرر بفتاة قاصر برضاها ويعتدي على شرفها، إذا تزوج بها لاحقاً. فقد كان أغلب الجناة وقبل إصدار هذا القانون يتهربون من العقاب بالزواج من المتضررة، وكانت أغلب هذه الزيجات لا تعمر وقتاً طويلاً وتنتهي بالطلاق بمجرد توقف إجراءات التتبع ومضي الآجال المحددة التي يسمح بعدها بالطلاق.
وللمرأة التونسية مسيرة كبيرة في النضال من أجل تكريس تلك المبادئ من خلال نشاطها السياسي أو عملها في منظمات المجتمع المدني. إذ ظهرت سنة 1931 جمعية خيرية تحت اسم “جمعية النساء المسلمات”. وظلت الحركة النسائية في تونس طيلة تلك الفترة محور النقاش والجدل الفكري بين مختلف المثقفين. ولم تسهم المرأة في النشاط الاجتماعي الحقيقي إلا سنه 1936 بعد تأسيس الاتحاد النسائي الإسلامي في مايو 1936. ورغم تقدّم هذا الاتحاد الفريد من نوعه آنذاك بطلب للحصول على التأشيرة في سنة 1938، إلاّ أن اعتماده لم يتم إلا في سنة 1951. ورغم ذلك فقد عمل الاتحاد على تحقيق الأهداف التي تأسس من أجلها. وهي أساساً توجيه الفتاة نحو التعليم، على أن يكون ذلك في دائرة الأخلاق الإسلامية وبث الثقافة الإسلامية في الوسط النسائي.
كما ركزت أنشطة الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي على الأعمال الخيرية أساساً،لتحل محلها منظمة نسائية أخرى وهي الاتحاد القومي النسائي التونسي الذي تحوّل سنة 1983 إلى الاتحاد الوطني للمرأة التونسية. وتغيرت التسميات بتغير أعضاء الاتحاد وأيديولوجياتهم.
وقد نشطت راضية الحداد في الإتحاد النسائي الإسلامي التونسي وساندت الحركة الكشفية من خلال رئاستها جمعية “حبيبات الكشافة” التي ظهرت سنة 1947. وقامت الحداد في بداية الخمسينات بدور كبير في مؤازرة عائلات المعتقلين السياسيين من الوطنيين التونسيين.وفي سنة 1956 شاركت في تأسيس الاتحاد القومي النسائي التونسي، اذ تولت خطة أمينة المال في أول هيئة للإتحاد، ثم آلت إليها رئاسته سنة 1958 بقرار من الرئيس الحبيب بورقيبة، واستمرت في رئاسته حتى سنة 1972. وقد قامت خلال هذه الفترة بإصدار مجلة المرأة سنة1961، كما أعطت كل مساندتها إلى الحزب الدستوري ولبورقيبة شخصياً.
ورغم أنّ الاتحاد تأسس منذ البداية تحت مسمى الإتحاد النسائي الإسلامي،إلاّ أنّ نشاط الإتحاد لم يكن يدافع عن المرأة من منطلق ديني أو يفرض عليها تعاليم دينية معيّنة، بل دافع على حقوق المرأة في التعليم والخروج للعمل وبعض المكاسب الأخرى التي تحققت للمرأة التونسية، في الوقت الذي لا تزال فيه المرأة في أوطان عربية كثيرة تتحسس بصعوبة طريقها نحو الحرّية.
لكن وبالرغم من تمتع المرأة التونسية بحقوق كثيرة خلال السنوات الماضية، فإنها كانت تعاني الكثير من المشاكل نتيجة وجود بعض القوانين التي تحد من حرية المرأة، إضافةً إلى معاناة المرأة العنف النفسي والجنسي والاقتصادي الذي كان ولا يزال يُمارس ضدّها.
تونسيات في صفوف داعش
كما برزت بعد الثورة مخاوف كبيرة من فرض قيود على حرية المرأة، خاصة بعد تنامي دور بعض التيارات الدينية التي تطالب بفرض قيود على المرأة،وتولي حزب إسلامي الحكم. فقد رأى البعض أن تلك الإصلاحات ستخل بالاستقرار الأسري في تونس، مثل إلغاء الترخيص الأبوي في سفر الطفل مع والدته، وسيشجع مستقبلاً على تجاوز النص الديني ومخالفة الشريعة مثل زواج التونسية المسلمة بغير المسلم والمساواة في الميراث بين المرأة والرجل. لكن ورغم كل ما قيل في هذا الجدل الذي لم ينته بعد، لا يمكن نفي وجود استثناء حداثي تونسي في مجال حقوق المرأة وفي مجالات أخرى.
في المقابل ورغم تجند المجتمع المدني والمنظمات المدافعة عن حقوق المرأة، لم تكن المرأة التونسية بمنأى عن التنظيمات الإرهابية أو شبكات التسفير إلى سوريا والعراق وليبيا للقتال، فقد شاركت عدة نساء في العمليات الارهابية التي حدثت في تونس، وكنّ في الصفوف الامامية، من ذلك شهادة إحدى المتورطات في قضية عملية متحف باردووالتي كانت مهمتها رصد الأماكن المستهدفة وتحركات الأمنيين والدوريات، وإرسال التقارير للإرهابيين. وقد رصدت متحف باردو لأكثر من شهر، وعرفت كل المداخل والمخارج وأوقات الدوريات الامنية وأخبرت الإرهابيين بكل التفاصيل.
كما ذكرتوسائل إعلام تونسية أنّ مئات التونسيات سافرن إلى سوريا من أجل ما يعرف ب”جهاد النكاح” وأن كثيرات منهم حملن من مقاتلي “جبهة النصرة”. فيما صرّح وزير الداخلية أنّ المرأة التونسية ” يتم تداولها (جنسياً) بين عشرون وثلاثون ومئة (مقاتل)، ويرجعن إلينا يحملن ثمرة الاتصالات الجنسية باسم جهاد النكاح، ونحن ساكتون ومكتوفي الأيدي”.
وقد قدّرت الاحصائيات عدد التونسيات اللاتي التحقن بـ”داعش” بنحو 700 امرأة. وفق ما أفادتنا به رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والعسكرية والأمنية “بدرة قعلول”، بعد دراسة أعدّها المركز عن انخراط المرأة في التنظيمات الارهابية.
كما أشارت بدرة قعلول إلى أنّ عدد الإرهابيات في السجون التونسية يزيد عن 150 داعشية. لكن في المقابل أكدت القاضية روضة العبيدي رئيس الهيئة التونسية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، أنّ المرأة التونسية “ليست مجرد ضحية للجرائم الإرهابية فقط، بل هي قيادية وفاعلة في هذه الجرائم بنسب متفاوتة، فهي تشغل مناصب قيادية في تنظيم داعش الإرهابي مثلها مثل الرجل”، مشيرة إلى أنّ عدد النساء الإرهابيات غير محدد بدقة،وأنّ الموقوفات في جرائم إرهابية لا يتجاوز عددهن العشرة، وأنّ 40 في المائة من المتورطات في الإرهاب لهن مستوى جامعي.فيما قدّر تقرير نشره المركز الليبي لدراسات الإرهاب، أن عدد النساء في تنظيم “داعش” في ليبيا يُقدر بحوالي 3 بالمائة.
وقال المركز في تقريره إنّ النساء ينحدرن من تونس، السودان، تشاد، مالي والجزائر. وكشف المركز عن شبكات تعمل على تجنيد النساء والفتيات للانضمام إلى التنظيم في منطقة شمال إفريقيا، مبرزاً أن 700 امرأة تونسية التحقت بعصابات داعش في سوريا وليبيا والعراق، وأن التنظيم باشر عملية استقطاب الفتيات للانخراط في صفوفه في المناطق التي يستحوذ عليها في ليبيا.
وأوضح التقرير أن الأعمال التي تقوم بها النساء داخل “داعش ليبيا” متعددة وأولها خدمات الدعم، “فثمة نساء يقمن بمهمات دعم لوجيستي، كالإشراف على سجن النساء وإعداد الطعام للإرهابيين”، مبرزاً أنه تم رصد مقر في منطقة الظهير، داخل مزرعة، يتم فيه إعداد الوجبات لعناصر التنظيم، من طرف 12 امرأة، يتناوبن على المقر بمعدل 6 نساء كل يوم، بالإضافة إلى الإشراف على سجن النساء، الموجود في ذات المنطقة، والتي تقع تحت مسؤولية امرأة تونسية الجنسية.
جدل حول عودتهن
برز فيما بعد جدل حول عودة الإرهابيين من بؤر القتال، بما في ذلك النسوة وأبنائهن. وتمسك الأغلب بأنّ الحديث عن توبة المقاتلين في سوريا هو مغالطة كبرى بل هم يشكلون خطراً حقيقياً على الامن التونسي. ففي صورة التقاء المقاتلين في سوريا المقدر عددهم ب5 آلاف، والمتبنين للفكر الجهادي الذين تم منعهم من السفر، والذين أكدت السلطات الرسمية ان عددهم يصل إلى 12 ألفاً، الى جانب الخلايا النائمة والمتأهبة، فهم سيشكلون جيشاً كاملاً قادراً على إحداث الخطر، فهل تم وضع اليات لمراقبته ومحاصرة عناصره؟
انقسمت آراءالنساء بين من يطالب السلطات السورية أو الليبية بإخراجهن من السجن وتمكينهن من العيش في أمان باعتبار أنّ هذه الفئة قطعت مع التونسيين، ومن يطالب الحكومة بمساعدتهن على العودة إلى أرض الوطن. لكنّ تباينت الآراء حول مسألة عودتهن وعيشهنّ بصفة عادية في المجتمع وتأثيرهنّ. خاصة وأنّ بعضهنّ كن قياديات في التنظيمات الإرهابية ولسن مشاركات فقط. فيما دعت بعض المنظمات الحقوقية إلى السماح لهنّ ولأبنائهن بالعودة وإعادة تأطيرهنّ وعرضهنّ للعلاج التفسي والمتابعة النفسية والإجتماعية. فيما دافعت بعض المنظمات الأخرى عن عودة أبنائهنّ فقط نظراً لأنّهم أطفال كانوا ضحايا الوالدين دون ذنب أو وعي منهم.
يذكر أنّه ما تزال عشرات التونسيات في السجون الليبية مع أبنائهن ينتظرن العودة إلى تونس بعد تأكيد السلطات الليبية على أنّها ستسمح لهن بالعودة في حال توصلت إلى اتفاق مع السلطات التونسية.

مريم الناصري

The post مكاسب المرأة التونسية لم تجعلها بمنأى عن الانضمام إلى صفوف الإرهابيين appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد