الحراك الديني النسائي في سوريا.. من الإرهاصات الأولى حتى الدخول في عباءة نظام البعث
موقع السيدة -

شهد المجتمع السوري منذ نهايات القرن الثامن عشر، وحتى النصف الثاني من القرن التاسع عشرأشكالاً متنوعة من الحراك النسائي الديني، وهو وإن جاء متبايناً في أهدافه وأشكاله والعوامل المشكلة له، إلا أنه في معظمه يتفق على أنه أشبه بتيارات وتجمعات دينية ذات مطالب حقوقية، أكثر من كونه حركة دينية لها بعد وإطار تنظيمي، سواء لأن المجتمع السوري، كغيره من المجتمعات العربية الإسلامية، لم يشهد تحولاً جذرياً في البنية الاقتصادية، كتلك التي شهدتها مجتمعات أوروبا، وانتقلت المرأة بموجبها إلى حالة من الاستقلال الاقتصادي دفعتها إلى المطالبة بالتغيير الاجتماعي العميق، في حين أن المرأة في المجتمع السوري، لم تحقق استقلالاً اقتصادياً مشابهاً، يجعلها حاملاً حقيقياً لحركات التغيير الاجتماعي ولو من منظور ديني، إضافة إلى أن قضايا المرأة بقيت في سوريا كما في العديد من المجتمعات العربية الإسلامية قضية تفاوض بين الدولة والتيارات الدينية، وهو ما أعاق بشكل أو بآخر فاعلية حركات التغيير النسائية ذات الطابع الديني أو غير الديني، وحد من تطورها.

الإرهاصات الأولى
يمكن القول أن الحراك الديني النسائي في المجتمع السوري حتى عام 1967، مر بمراحل أساسية حافظ فيها جميعاً من حيث الشكل على النشاط الديني النسائي التقليدي “نظام المشيخة” الوارد أصلاً من الطرق الدينية الصوفية، لكنه اتخذ في كل مرحلة أبعاداً وأهدافاً مختلفة، ففي المرحلة الأولى، وهي المرحلة التي سادت فيها الإيديولوجية الدينية الصوفية، بمختلف مشاربها وحلقاتها المتعددة وفرقها الكثيرة “الرفاعية، الجيلانية، النقشبندية، الخزنوية”كإيديولوجية شبه وحيدة في مجتمعات المشرق العربي حتى منتصف القرن التاسع عشر*1، وفيها كان النشاط الديني النسائي يقوم فقط من خلال نظام المشيخة وعلاقاتها ونشاطاتها في تلقي العلوم الشرعية،و كانت النشاطات الدينية الدعوية، تعتبر من خواص الأسر السورية المحافظة، فالدروس الدينية والموالد النبوية والاحتفالات الدينية الأخرى والمناسبات الاجتماعية كالزفاف وغيره كان حيزها في البيوت أو المساجد*2.
ومع ظهور حركة الإصلاح في الدولة العثمانية وتشكل الدولة القومية الحديثة وظهور حركة النهضة العربية، بدأت المرحلة الثانية، وفيها وقفت حركة التنوير الإسلامي في وجه الجوانب السلبية للصوفية. في هذه المرحلة بدأت الطرائق الصوفية تفقد شيئاً من أهميتها لصالح الجمعيات الثقافية والإصلاحية، التي أسستها سيدات سوريات، كعادلة بيهم الجزائري التي أسست نادي الفتيات المسلمات وقدمت لهن دورات مجانية في الشعر والدين واللغة الإنكليزية، وكذلك نازك العابد التي أسست أول جمعية نسائية “نور الفيحاء” عملت من خلالها على تثقيف النساء، ودعت إلى سوريا علمانية، وحقوق متساوية بين الرجال والنساء*3.
وتشكلت في هذه المرحلة بذور تيار نسائي ديني، بتوجه تحرري، عمل على تثقيف النساء، ودعا إلى حرية تعبير المرأة واحترامها، كما كشف عن حق النساء في التعليم والعمل والمساواة في الأجر والاستقلال المادي.
في المرحلة الثالثة تحولت بعض هذه الجمعيات الإصلاحية إلى ما يشبه حركات اجتماعية في سياق النضال الوطني ومقاومة الاستعمار الفرنسي، وفيها أيضاً طُرحت قضية المرأة في الإسلام على يد مفكرين مصلحين دعوا إلى إعمال الاجتهاد كأداة تسمح بإعادة التفكير في الإسلام في سياقه، كما بدأ النضال النسائي المطلبي من خلال هذه الحركات، فطالبت النساء بدءاً من العام 1944 بإصلاح قوانين الزواج والطلاق ونصيب الورثة، وبالاختلاط بين الجنسين في العملية التعليمية*4.

الأخوات المسلمات
لاحقاً وبعد خروج الاستعمار الفرنسي وظهور المد القومي، عرف الحراك النسائي الديني شكلاً جنينياً من أشكال التنظيم، لكنه ظل تحت العباءة التقليدية لسلطة الرجل، وهنا نلمح تشكيلات نسائية دينية من قبيل”الأخوات المسلمات”، الشق النسائي من حركة الأخوان المسلمين التي أعلن عن تأسيسها في3شباط 1945، وكانت حصيلة تخمرات أخذت شكل جمعيات إسلامية في محافظات سورية عدةمنذ وقت طويل*5.
وتعود جذور المشاركة النسائية في جماعة “الإخوان المسلمين” السورية إلى مطلع الخمسينيات عندما التقت الناشطة الشابّة أمينة الشيخة، مصطفى السباعي، القائد الكاريزماتي للتنظيم السوري، واقترحت إنشاء جماعة “الأخوات السوريات” التي كانت مهمّتها تجنيد النساء في التنظيم. اضطلعت “الأخوات السوريات”، بحسب التقارير والمعلومات، بدور قيادي في التنظيم والتأثير في الدوائر العليا لصنع القرارات في جماعة “الإخوان المسلمين”*6.

الاستيلاء على الحراك الديني
بدأت المحاولات الحكومية للاستيلاء على النشاط الديني الرسمي قبل وصول حزب البعث إلى السلطة. فتأسّست إدارة الأوقاف، الواجهة الإدارية لوزارة الأوقاف، عام 1947خلال فترة حكم شكري القوتلي، وجاء معها صكّ قوانين جديدة صار العالِمُ الديني بموجبها موظفاً حكومياً، وأصبح جميع المفتين يتبعونما يُسمّى “المفتي الأول”، من هنا توجه علماء الدين إلى المجتمع من خلال الجمعيات الخيرية ذات الطبيعة اللّاسياسية للاستفادة من ثغرة البعد العلماني للدولة القومية. وهكذا دخل النشاط الديني بصورة شبه كاملة تحت عباءة الدولة مع وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة،وتحالفه مع الشيخ أحمد كفتارو، الذي عينبعد عام من انقلاب الثامن من آذار عام ١٩٦٣، في منصب المفتي العام لسوريا.لقد أدرك حزب البعث أن لدى الطرق الصوفية الدينية بُنيةً هرميةً فريدة تجعلهم موضع ثقة كشُرَكاء عندما قَبِلَ شيخ الطريقة بوجود نوعٍ من التنسيق والاتفاق مع النظام. بغض النظر أكانت الجماعة الإسلامية صوفية أم سلفية، فإن موقفها من النظام أو الدولة يتحدد بناء على موقف شيخها، سواء كان هذا الموقف معارضاً أو موالياً للنظام، أو حتى ولو كان مجرد نوع من التعايش معه. فالشيخ (وبصورة أقل الشيخة) هو المسؤول عن اتخاذ القرار فيما إذا كانت جماعته ستقبل بالعلاقات السلطوية ومبادئ الشرعية التي أسس لها النظام*7، من هنا عمل النظام على إعادة إحياء الطرق الصوفية لتأخذ موقعاً متقدماً يعبر عن النشاط الديني الإسلامي النسائي، وفي هذا الإطار تبرز ملامح تيارين نسائيين هما الكفتاروياتوالقبيسيات.

الكفتارويات والقبيسيات… حزب البعث ومصادرة الحراك الديني النسائي
تعود جذور “الكفتارويات”و”القبيسيات” إلى الطريقة النقشبندية، أحدى الطرق الصوفية، وتحديداً “فرع الخالدي”. سُميّ هذا الفرع على اسم خالد البغدادي (1779-1827)، وهو عراقيٌّ كرديٌّ صوفي قام بتجديد الطريقة النقشبندية في الدولة العثمانية، ومن بين العديد من الطرق التي تفرّعت عن البغدادي في دمشق*8،تلقى الشق النسائي من الطريقة الصوفية الكفتاروية دعماً كبيراً من النظام، وكان الشيخ كفتارو يشجع دائماً على تعليم النساء والفتيات ويحثُّهن على المشاركة الفاعلة في الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية. وكانت النساء قد حصلن في مرحلة مبكرة من خمسينيات القرن الماضي على حيز في مسجد أبو النور للمشاركة في الدروس وحضور صلاة الجمعة. ومنذ تلك الفترة، أسس الشيخ كفتارو جيلين من النساء، الأول عن طريق ابنته الشيخة وفاء كفتارو، وهو ما جعلها من الشيخات البارزات، فقد تم تدريبها على مسار المشيخة والقيادة على يد والدها ومشايخ وشيخات آخرين، وهي تترأس معظم الفرع النسائي من الطريقة الكفتاروية، كما كانت مشرفة على المدارس والمعاهد التابعة لمجْمع “أبو النورالإسلامي” لفترة طويلة،والثاني عن طريق زوجته الثانية” صباح الجبري”.
وشهدت هذه الحقبة تأسيس معهد بدر عام 1964 الخاص بتعليم الإناث، والتابع لمجمع الشيخ كفتارو. ثم في العام الذي يليه عام1965، افتتح معهد الفتح (الذي أسسه الشيخ محمد صالح فرفور) فرعاً للإناث لتعليمهن العلوم الشرعية وإعدادهن للدعوة.
لقي نمو الفرع النسائي داخل الطريقة الكفتاروية ترحيباً حاراً من النظام، فنشاطاتُهن المنظمة بشكل جيد في دمشق تهدف إلى سحب التدريس الإسلامي من المنازل الخاصة ونقله إلى المجال العام، أي في المساجد ومعاهد القرآن والمراكز الإسلامية، وبالتالي تقليص فرص حضور التعاليم السنية المعادية للنظام.

القبيسيات: الحركة الدينية النسائية الأكثر إشكالية في المجتمع السوري
القبيسيات جماعة دعوية نسائية دينية أسستها منيرة القبيسي المولودة عام 1933في دمشق لأسرة تضم عشرة أطفال، ستة شباب يعملون في التجارة أو المهن ذات الكفاءات العلمية العالية، وأربع فتيات ربات بيوت.
بدأت “منيرة القبيسي”في ستينيات القرن الماضي نشاطها الدعوي والديني في دمشق، وذلك خلال تدريسها مادة العلوم الطبيعية في مدارس دمشق، ومع إحساسها بدورها الدعوي الاجتماعي بشكل أكبر دخلت كلية الشريعة بدمشق بالتزامن مع قربها من حلقات الشيخ “أحمد كفتارو”، حيث تربت على يديه ونهلت منه العلوم الدينية. ثم انفصلت “القبيسي” عن جماعة الشيخ كفتارو بسبب بعض المضايقات التي واجهتها، دون أن تقطع صلتها بالشيخ نفسه الذي كان في الحقيقة أستاذاً لوالدهاوكذلك عمها “أبو الخير القبيسي”، الذي يعتبر أحد أبرز تلاميذ الشيخ كفتارو.
وقد نهجت جماعة “القبيسيات” نهج المدارس الدينية الدمشقية الأُخرى،كمدرسة حسن حبنكة الميداني، ومن بعده مدرسة جامع زيد، ومدرسة كفتارو، ونهج الشيخ فرفور وجماعته في التركيز والاستناد إلى الطبقة الاجتماعية الغنية والمتوسطة والمرتبطة مع طبقة رجال الأعمال، حيث اتسمت علاقات القوة والسلطة والنفوذ في سوريا بنوع من النفعية وإيلاء مسألة تبادل المصالح أهمية كبرى في العلاقات، بتأثير من سياسة البعث التي عززت هذا النوع من العلاقات من جهة، ومن جهة أخرى بسبب طبيعة المجتمع الدمشقي خاصة، والذي يعتمد على حلف “مقدس” بين الطبقة البرجوازية السنية والإسلام المعتدل،لذلك نجدمن المنطقي انتقال بنية هذه العلاقات وشكلها إلى فئات المجتمع ومجالاته كافة، بما فيها الجماعات الدينية كونها تمثل جزءاً من تركيبة هذا المجتمع المديني*9

خلاصة
عجز الحراك الديني النسائي حتى عام 1967 عن تأسيس هوية مستقلة، وهو بذلك لا يحمل لقب الحركة الدينية النسائية، وإن احتوى بذورها الأساسية، وجاءت هذه التيارات الدينية النسائية بين نموذج علماني وتيار راديكالي نشيط إلى حد ما في الساحة السياسية رغم أنه يمثل الأقلية، تستمدنهجها من نموذج تحرري يدعو إلى المساواة والاعتراف بحقوق المرأة المستمدة أصلاً من روح النص الديني، وبين تيارات دينية نسائية عملت على الاكتفاء بقراءة تقليدية، أو بالأحرى قراءة حرفية للإسلام، وظلت تحت عباءة النظام السياسي، ممارسة الشعائر الدينية دون مطالب حقيقية وجوهرية في عملية التغيير الاجتماعي وتحرر المرأة.

بيسان سارة

مراجع المقال
*1صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سوريا القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية /عبد الله حنا
*2الحالة الدينية في سوريا/ مركز جسور للدراسات
*3 Die unsichtbaren Frauen der syrischen Revolution/
von Gastbeitrag/ DIE STÖRENFRIEDAS
*4 سوريا في التاريخ من أقدم العصور حتى 2016/ كمال ديب
*5 الإخوان المسلمون في سوريا: قراءة في التجربةمحمد سيد رصاص/ الحياة اللندنية
*6 صعود الأخوات السوريات / رافاييل لوفيفر مقال مترجم عن الإنكليزية/ مركز صدى للدراسات
*7 الإسلام الرسمي، الشبكات الإسلامية العابرة للحدود، والسياسات المحلية: سوريا أنموذجاً/أنابيله بوتشر/ ترجمة حمزة ياسين
*8 علمانيةً تنظيميّاً: الحركات الإسلامية الدمشقية والثورة السورية/د.عمر عمادي/ ترجمة حمزة عامر
*9جماعة القبيسيات..النشأة والتكوين/ مركز جسور للدراسات

The post الحراك الديني النسائي في سوريا.. من الإرهاصات الأولى حتى الدخول في عباءة نظام البعث appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد