أنصفها المتنورون، و”استخدمها” الراديكاليون المرأة… الضبط على إيقاع فكر إسلامي متشدد
موقع السيدة -

عام 2014 وبعد أن دوّن الباحث والكاتب ياسين الحاج صالح على صفحته الفيسبوكية (الإسلام مريض، ومريض جداً)، تعرض لحملة شتائم، فرّدالكاتب والمؤرخ فاروق مردم بيك عام 2014: (ماذا تريدون منه أن يقول؟ إنّ الإسلام بخير؟ أيّ إسلام؟ إسلام داعش والنصرة؟ إسلام الأزهر خادم السلاطين؟ إسلام القُبيسيّات؟ إسلام الإخوان المسلمين الذين يرتكبون الخطأ تلو الخطأ؟ إسلام الوهّابيين؟ إسلام الدعاة المخرّفين؟ إسلام الملالي والمدافعين الأشاوس عن مقام السيّدة زينب؟ إسلام السلفيين الذين يشطبون 1500 سنة من التاريخ؟ إسلام المسلمين الذين يكتفون بتبرئة الإسلام من كلّ هؤلاء مع الحرص الشديد على أن لا تُمسّ أيّ مرجعية من مرجعيّاتهم؟ إمّا أن نعترف بأنّ الإسلام مريض، ومريض جداً، ونسعى إلى شفائه بإصلاحٍ دينيّ جدّي، وإما أن نُكابر إلى أن يُحدث الله أمراً).

تلك المقدمة ما هي إلا نافذة صغيرة على عقل إسلاموي جمعي يؤثّم ويكفّر كل من يحاول الخروج عنه، وعلى كل من يشير إلى العلّة ويتحدث عنها كي ينصلح الحال، وينجو المجتمع من الانهيار المتسارع الذي يعيشه على جميع المستويات.

نحو عقلٍ تعددي

أراد المفكرون المتنورون دائماً تغيير ذاك العقل الجمعي، بغية الانتقال من عقل أحادي إقصائي إلى عقل تعدديمنفتح على الآخر أياً يكن، فيقبله شريكاً في المجتمع، على أن تتولى دولةً ديموقراطيةً وضع دستور مدني ينظم حياة الأفراد، يؤكد على واجباتهم، ويكفل حقوقهم، باعتباره الضمان الوحيد الذي يحققالمواطنة المتكافئة، ويتساوى فيه الجميععلى اختلاف أصولهم وأعراقهم وإثنياتهم ومنابتهم ومشاربهم الثقافية. وهي بلا شك عملية طويلة ومعقدة تحتاج إلى جهود منظمة ومتوالية، ولا بأس إن اعتمدت – إلى جانب التفكيك – أسلوب النقد والصدمة من أجل الوصول إلى مجتمع مدني معاصر، لا يكون التديّن فيه إلا ممارسة يومية من حق الأفراد الاختيار بين الالتزام بها أو رفضها، من مبدأ (من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)، وليس لـ”رجال الدين” أي سلطة تمكّنهم من السيطرة على مؤسسات الدولة، وهو ما يحدث حتى اليوم في الدول العربية، إلا فيما ندر،بحجة أنهم الأكثر معرفة بمصلحة المجتمع، وأنهم الأقدر على حمايته من التفكك، منطلقين من كتب تفسير القرآن والحديث التي أنجزها الطبري وابن كثير والثعالبي والسيوطي والزمخشري والتوحيدي،وغيرهم من العلماء الأولين الذين أخذوا على عاتقهم هذه المهمة، علماً أن معظم التفاسير صدرت بين أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، وهي التي ارتبطتبمعارف المفسرين وبالظروف الاجتماعية والسياسية والنفسية التي عاشوا خلالها. وحسب متخصصين فقد تم التفسير بناء على مراحل ثلاثة، بجمع التفسير ضمن كتب الحديث بدايةً، ثم بإفراد التفسير بالتأليف وجعله علماً قائماً بذاته، وأخيراً بالتفسير بالرأي، ومع أن الفارق الزمني كبيراً بين راهننا وبين الفترات التي صدرت فيها تلك التفاسير، إلا أن المجتمع المسلم ما يزال في أغلبيته متمسكاً بها،رافضاً الاجتهاد والقراءات الحديثة للقرآن التي ابتعد فيها مؤلفوها عما جاء به السلف.

الإسلام والسياسة

في كتاب (قراءات معاصرة في النص القرآني) أشار العلامة السيد محمد حسين فضل الله إلى أن المسلمين وفي طليعتهم المفسرين – سواء كانوا ممن يأخذون الصفة الفقهية أم الصفة الثقافية العامة – درجوا على اعتبار أن ظاهر اللفظ هو الأساس في فهم المعنى، غير ملتفتين إلى العوامل الأخرى التي تدخل في عملية فهم النص، كما لم يدرسوا المراحل التاريخية والثقافية والنفسية التي تتدخل في عملية إطلاق النص، في حين أغرق مفسرون آخرون المعنى القرآني في معانٍ باطنية لا علاقة لها باللفظ. وأوضح أن السبب في عدم دخول القرآن في عالم الاجتهاد من بابه الواسع يعود إلىالفقهاء الذين لا يملكون عموماً الثقافة القرآنية، ومن كان يملكها فإنما في دائرة ضيقة أساسها بيئته الثقافية والاجتماعية، ولهذا ذهب الأغلبية إلى تفسير المفسر معتمدين على عدة منهجياتٍأعادت تدوير ما كُتب في الماضي.

لم ينفصل الإسلام يوماً عن السلطة والسياسة.فالحركات والأحزاب والجبهات الإسلامية الشيعية والسنية الكثيرة، السّلمية منها والمسلّحة التي ظهرت منذ القرن الـ20 تؤكد رغبتها بالسيطرة على الحكم، ومهما اختلفت أدواتها إلّا أنها تنطلق من قاعدة واحدة، وهي الاستئثار بالسلطة حتى وإن كان الثمن العنف والدم، متذرعةً كل جماعةٍبالنص الشرعي الذي يمنحها الحق بأن تكون هي قائد المجتمع، ومستخدمةً المرأة بما يدعم وجودها. والمرأة الفاعلة عند كل تلك الجماعات والحركات ليست في أحسن حالاتها أكثر من واعظة وداعية تكرس الخطاب الراديكالي المتطرف، وتدعم السلطة الذكورية والاستبداد الديني، كما تعمل جاهدة على استقطاب الفتيات، وقد نجحت كثيراً في استلاب عقول المتعلمات والجامعيات خصوصاً، وباستخدام أساليب مثل الترغيب والدعم والترهيب أيضاً، وهو ما نشهده لدى جماعة الإخوان، والقبيسيات، وطالبان، وولاية الفقيه، وحزب الله، والدولة الإسلامية.

في المقابلنشهد اجتهاد عدد من المفكرين والدارسين في سبيل تقديم رؤى جديدةللقرآن تكرس الديموقراطية، وتنبذ الاستبداد، وهم الذين بيّنوا ويبيّنون حجم الخطر الذي تشكّل على مدار القرون الماضية إثر اتباع السنة النبوية على حساب فهم النص القرآني، ويعملون على تنوير المجتمعات العربية المسلمة كي لا تغرق في “الضلال”،ويعرّفون باستمرار بالثابت والمتغير في فهم القرآن من أجل حياة أكثر واقعية، وبأهمية وجود قراءات معاصرة للخروج من ظلم وظلمات العصور التي تم خلالها تفسير القرآن بناءً على معطيات تلك العصور ومقتضياتها وعلومها وأفهامها، والسياسات التي سادت فيها والسلطات التي حكمتها.

وقد قدم هؤلاء قراءاتهم المعاصرة على ضوء عدد من المناهج العلمية والنظريات والمناحي والمدارس، كالوجوديةوالتفكيكية، وفسروا القرآن بالقرآن لاستيلاد معان جديدة، وميزوا بين النص الديني المقدس الثابت، والفهم الديني المتجددعبر علاقة تبادلية بين المعرفة الدينية والمعارف التي تنتجها البشرية، كما كتبوا عن الآثارالمترتبة على التوقف عند زمن معين على الفرد والمجتمع.

في مواجهة الراديكالية

عدة أسماء عربية برزت في تقديم قراءات معاصرة ومتجددة للقرآن بما يتوافق مع الحياة المعاشة للمسلم، ومن بينهم د. نصر حامد أبو زيد، د. صادق جلال العظم، د. محمد شحرور، د. محمد أركون، د. محمد عابد الجابري، فرج فوده، فخالف هؤلاءكل الذين تعاطوا مع النص القرآني من خلال مركباتهم الذهنية ومكوناتهم الثقافية وميراث عقلهم منذ أيام الصحابة.

في حين اعتبرالسلفيون نتاجات المفكرين المجددين أخطر ما يواجه القرآن والمسلمين، لأنها، حسب وصفهم،تغريبية تدعو إلى الانفلات من عقال الدين، ووصل الأمر بهم إلى حد تهديد مخالفيهم وقتل بعضهم، كما استمر السلفيون بإنتاج أفكار وإطلاق فتاوى تغرق المجتمع أكثر في الظلمة، باعتبارهم يسيطرون على المنابر وعلى مفاصل مهمة في مؤسسات الدولة، وكونهم أداة بيد السلطة السياسية التي تحرص على الاستئثار بالحكم.

والملاحظ أن التراث الديني الذي فسر القرآن والسنّة كان في مجملهنتاجاً ذكورياً، بحيث لم تكن للمرأة أي مساهمة حقيقية فيه، فكانت حتى وقت متأخر متلقية لرؤية وفكر الرجل والمجتمع، إلى أن تمكنت بعض الباحثات من دخول هذا الميدان، كما فعلت د. نوال السعداوي، فاطمة المرنيسي، وأسماء المرابط، وغيرهن ممن قدمن صورة للمرأة مختلفة عن صورتها في قراءات السلفالأصولي، وأكدن على ضرورة مساواتها بالرجل باعتبارها إنساناً كامل الأهلية، ولها الحق في المشاركة في صناعة القرار بعيداً عن تصنيفات الراديكاليين الذين اعتبروها ناقصة عقل ودين.

فعالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي اهتمت بمسألة النسْوية والإسلام، وبالمفاهيم الخاصة بالمرأة في المجتمع الإسلامي، وحرية المرأة، والديموقراطية والقيادة، وتعدد الزوجات، والحجاب، وغير ذلك من شؤون المرأة في الإسلام، وناقشت بعلميةٍ كل ذلك فيما أنتجت من مؤلفات، وواجهت المجتمع الذكوري بكتابات جادة كانت تحاول من خلالها البحث عن نافذة خلاص للمرأة العربية المسلمة، منتقدة الإيديولوجية الدينية التاريخية وخطاباتها الذكورية التي تقصي المرأة بعيداً عن الحياة العامة، ورافضة كل ما لا يتوافق مع روح النص القرآني، ومواجهة النقد الذي وُجّه إليها.

وكذلك أسماء المرابط الطبيبة والباحثة في قضايا الإسلام، ورئيسة مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، التي تقول وتكرر أن الحجاب مثلاً ليس من أركان الإسلام وليس أولوية، فالأولوية للعلم والعدل والأخلاق، خاصة وأن الحجاب المذكور في القرآن هو الستار، والآية التي جاءت في القرآن حوله كانت موجهة لنساء النبي، وللباحثة أيضاً موقف نقدي من احتكار علماء الدين لقضايا الإفتاء الذين يعيشون في هذا العصر حبيسي قوقعتهم في أبراج عالية بعيدة عن الناس، وهؤلاء، كما تسميهم، هم علماء النص، يعتمدون في فتاواهم على النص فقط، ولهذا من الضروري – برأيها – أن تكون الفتوى جماعية، يتعاون في إصدارها الفقيه والطبيب وعالم الاجتماع وغيرهم، لتكون منسجمة مع الواقع. فمن حق أي مسلم البحث والتفقه في دينه والإدلاء برأيه، وهذا ما ضمنه الإسلام له.

المرأة ضد المرأة

أقدمت بعض المتخصصات في العلومالشرعية من خريجات الأزهر والمدارس السلفية، وكذلك المنتميات إلى أحزاب إسلامية راديكالية؛ على مناهضة الأفكار التجديدية، فعلّبوا المرأة، وأرادوا ضبطها على إيقاع الفكر الإسلاميالمتشدد وفقط. ومن بينهن د. سعاد صالح أستاذةورئيسة قسم الفقه المقارن بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر. حيثشهد مئات آلاف المتابعين المناظرة التلفزيونية التي جمعتها مع د.محمد شحرور الذي قال: “من حقي فهم القرآن بما يختلف عن فهم عبدالله بن عباس الذي جاء في عصر غير عصرنا، وبفهم يتوافق مع الفترة التي عاش خلالها”. وبناءً على مرجعيته الفكرية والعلمية والثقافية،فسر د. “شحرور” القرآن بما يخالف السلف، وخصوصاً الآيات المرتبطة بالزنا والحجاب واللباس الشرعي والصيام والإرث والقوامة وتعدد الزوجات، وبأحكام الشرك والردة والسرقة، وهو ما أثار حنق وغضب الكثير من المسلمين على مستوى العامة ومستوى المهتمين بالشأن الديني، فما نشأوا عليه في قضايا التحريم والتحليل مختلف تماماً عما وصل إليه د. شحرور وسواه من المفسرين الجدد.

وفي المناظرة اختلفت د. “صالح”معه حول التعددية الزوجية، والزواج من القاصرات، والحجاب، والقوامة، والتحريم والمنع، وغيرها من المحاور التي طُرحت في الحلقة، فكانت رجعية فيما طرحت، وما أخذه عليها المتابعون ضعف حجتها مقارنة مع ما جاء به مناظرها.

ومعروفة د. “صالح” بالفتاوى التي أطلقتها فأثارت جدلاً واسعاً، والمتابع لتصريحاتها المتلفزة والصادرة في الصحف والمجلات،يجد أنها مرة تحلّل ومرة تحرّم، ومثلما أفتت في المناظرة بزواج اليتيمة، وهي قاصر أصلاً، فقد أفتت لاحقاً بأن زواج القاصرات مخالف للمقاصد الشرعية ولذلك هو حرام، كما حرمت على الخاطب التصريح لخطيبته بحبه لها عبر الهاتف أو غيره لأنهما أجنبيان، وحرمت عليهما الخروج سوياً وعدم الجلوس مع بعضيهما البعض لأن الشيطان ثالثهما، ومن أجل المحافظة على العرض.أما فيما يتعلق بما ورد على لسان الرسول بأن (المرأة ناقصة عقل ودين)، فقالت: “إنه يأتي في سياق “هزاره” مع السيدات”، ولاحقاً أفتت بـ”معاشرة البهائم” الموجودة في بعض كتب الفقه، والتي اعتذرت عنها لاحقاً، إذ لم تكن واعية لما قالته، وبعد تلك الفتوى استبعدتها مؤسسة الأزهر ودار الإفتاء من قائمة “علماء الفضائيات”، وهو ما اعتبرته صالح (ضد المصلحة العامة للإسلام والدساتير)، وهو ما حدث مع د. أمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر وعضوة مجلس النواب. كما اختلفت أستاذة الشريعة في الأزهر د. عبلة الكحلاويمع د. شحرور في تأويل النص القرآني، وقالت إن التجديد إنما حرف للتأويل عن مساره الحقيقي، وخاصة في مسائل كالقوامة والتعددية الزوجية.

خاتمة

تواجه المرأة العربية المسلمة أزمات ومشكلات كثيرة في ظل وجود أنظمة سياسية لا تمنحها إلّا “الفتات” حتى وإن أصبحت وزيرة أو رئيسة برلمان، و”التغني” بحريتهاما هو إلا وهم.

وبما أن الشريعة هي غطاء السلطة السياسية، والديموقراطية طريق لم تحققها حتى اليوم مجتعاتنا،فلا سبيل للنجاة مما نحن فيه ذكوراً وإناثاً، مع التأكيد على ما كتبه الباحث والكاتب ياسين الحاج صالح: (الإسلام مريض، ومريض جداً).

رائدة كريم

The post أنصفها المتنورون، و”استخدمها” الراديكاليون المرأة… الضبط على إيقاع فكر إسلامي متشدد appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد