الدستور والليبراليون ينتصرون المرأة الكويتية نالت حقها السياسي بعد نضال….؟
موقع السيدة -

بعد نضال عسير؛ حصلت المرأة الكويتية على حقوق مهمة جعلتها قادرة على المشاركة في بناء بلدها، والوصول إلى مناصب عليا، ورغم ذلك ما تزال تتعرض لضغوطات حقيقية يمارسها أصحاب الفكر الرجعي، ولنا فيما حدث مؤخراً خير مثال، عندما وزعت وزارة الأوقاف الكويتية خطبة موحدة على جميع مساجدها في آذار الماضي، عنوانها “الإلحاد المعاصر: خطورته ومظاهره”، متضمنة: (أهل الإلحاد المعاصر أضافوا إلى ذلك الدعوة إلى الانحلال من جميع القيود الشرعية والأخلاقية، والدعوة إلى حرية المرأة التي هي في حقيقة الأمر انسلاخها من الأعراف والعفة والحياء إلى عادات الكفار والانحلال والتبرج والسفور)، وبالضرورة أثارت الخطبة مخاوف فعاليات رسمية وشخصيات اعتبارية ومسؤولة من تغلغل المتشددين النافذين في المؤسسات الحكومية.

وبعد شهر أطلقت الوزارة حملة “حجابي.. به تحلو حياتي” التي خلقت جدلاً وجدالاً في البرلمان حول الحريات الشخصية. وتحت “القبة البرلمانية” ثمة من انتصر للمرأة وحريتها في دولة يقر دستورها بتلك الحرية، وآخرون انتصروا للحجاب باعتبار الكويت دولة إسلامية وعلى المرأة ألا تخالف الشريعة، لا بل وهددوا وزير الأوقاف من التراجع عن الحملة التي تهدف برأيهم إلى تعزيز الثوابت الدينية لدى النشء وتكرس مفاهيم الإسلام، وهو الرأي الذي يوافق هوى المستمرين في محاربة ظاهرة خلع الحجاب منذ عقود، ويقيمون ندوات هدفها نشر الحجاب والتأكيد على أنه فريضة شرعية، وعلى جميع النساء المسلمات الالتزام بها.

وقبل سنوات أثارت فتوى رسمية “ضجة نسوية” واسعة، حين دعا نواب في البرلمان إلى وجوب التزام البرلمانيات والوزيرات بالحجاب، وإن لم يرضخن للدعوة فعليهن تقديم استقالاتهن احتراماً للقانون والدستور، لكن هاتيك السيدات لم يصمتن، وقلن إن الدعوة مخالفة الفتوى للأصول الدستورية، والإجبار على وضع الحجاب غير قانوني، خاصة وأن الكويت بلد يحكمه القانون لا الفتاوى الشرعية، ولعل الرد الأبرز جاء على لسان الروائية ليلى العثمان التي هددت بالرحيل إن أُجبرت على وضع الحجاب.

بدايات مبكرة

سيرة المرأة الكويتية في المطالبة بحقوقها ليست حديثة العهد، فقد عرفت الحركة النسائية وجوداً ملحوظاً في الكويت قبل الاستقلال، حيث كان العبء على المرأة كبيراً، وهي التي كان عليها بداية المطالبة بحريتها وبحقها في التعليم والعمل، وكذلك مشاركة أبناء مجتمعها بطلب الاستقلال.

واستكمالاً لما بدأته المرأة في مصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق منذ بدايات القرن العشرين على صعيد دخول الحياة العامة، سواء بالعمل في مجال الطب أو الصحافة، وتأسيس عدد من المنتديات والصالونات السياسية والأدبية النسوية؛ بدأت المرأة الكويتية حراكها في ذات الاتجاه، وإن كانت الخطى في الكويت أبطأ وأصعب، ضمن مجتمع كان الغوص على اللؤلؤ هو حياته، بالإضافة إلى التجارة التي تأتي تالياً، متأثراً ذاك الحراك بما كان يحدث ويصدر في البلدان سابقة الذكر، أي كتابات المفكرين الذين تناولوا قضايا المرأة، ورائدات العمل النسوي، والصحافيات والأديبات والصحافيون والأدباء ممن انتصروا لحق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة في القرار السياسي.

التعليم أولاً ثم العمل

في الربع الأول من القرن العشرين تمت أول محاولة خجولة لمنح الفتاة الكويتية فرصتها في التعليم، فافتتحت المطوعة أمينة العمر مدرسة غير نظامية عام 1916، وفي عام 1937 افتتحت أول مدرسة نظامية للبنات، بعدها تهيّأت لبعض الفتيات ظروف الالتحاق بسلك التعليم العالي والجامعي خارج البلاد، كما أصبح متاحاً لأخريات العمل في مجال التمريض خلال الأربعينيات، واستمرت المرأة في تلك المسيرة بهدف  طريقها، على الرغم من الصعوبات التي واجهتها، إلى أن تمكنت ضياء هاشم البدر من دخول عالم الصحافة عبر منبر مجلة (البعثة) عام 1952، لتنشر أولى قصها فيها.

بعد عام 1948 بدأت الكويت مرحلة جديدة إثر تصديرها أول شحنة نفط، كما بدأ المجتمع الكويتي يستشعر ضرورة مشاركة جميع أبنائه وبناته في عملية البناء، وهو ما حدث بالفعل، فالحاجة دفعت الأغلبية إلى قبول المرأة المتعلمة، وإلى اشتغالها في القطاع العام، ولا شك أن المتنورين من الرجال ساهموا في تعزيز ذلك، كما سعى المسرح الكويتي آنذاك إلى تكريس ضرورة تعليم الفتيات ووجوب استشارتهن في أمر زواجهن، وتكللت تلك المطالب بإرسال أول بعثة من الطالبات إلى القاهرة للدراسة فيها منتصف الخمسينيات.

الدستور مظلة الجميع

من المؤكد أن وضع الدستور بداية عام 1950 على يد “أبو الدستور” الشيخ عبدالله السالم الصباح، بالإضافة إلى إنشاء المجلس الأعلى ساهما كثيراً في وصول المرأة إلى محطات مهمة.

والكويت وفق دستورها دولة عربية مستقلة ذات سيادة تامة، دينها الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية، ونظام الحكم فيها ديمقراطي.

وحسب المذكرة التفسيرية فإن الديموقراطية هنا تعني الوسطية بين النظامين البرلماني والرئاسي، إلى جانب الفصل بين السلطات مع تعاونها. فيما كفلت المادة الأولى من الدستور للمرأة حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجعلت المساواة كاملة بين الجنسين دون أي تمييز. وقد حصّن الدستور ما سبق من خلال عدة مواد تعزز كرامة المرأة وحقوقها وواجباتها. في حين أكدت المادة الثانية على المساواة وعدم التمييز بين المرأة والرجل في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، إذ لا تمييز بسبب اللون أو اللغة أو الدين كما جاء في المادة (29)، والتي صدرت على ضوئها عدة تشريعات وطنية كفلت وصانت حقوق المرأة.

صدور الدستور شكّل دفعة قوية للمرأة مكّنتها عام 1953من عقد أول فعالية نسائية باسم (ندوة الحجاب) على نطاق ضيّق لمناقشة قضية السفور في الكويت، وخلصت المجتمِعات – وعلى رأسهن شيخة الحميضي، غنية المرزوق، هند سليمان المسلم، شيخة أحمد العناجر – إلى مادةٍ نشرت في إحدى الصحف الكويتية حول الندوة وطبيعتها، طالبن عبرها بوجود الأندية والجمعيات العلمية والأدبية والنقابية والمسارح، وبفتح دور السينما وإرسال البنات في رحلات خارجية، وضرورة إنشاء مدرسة تمريض للفتيات، كما دعين المجتمع الكويتي إلى الابتعاد عن الانغلاق ونبذ الرجعية، وفي ذلك العام تمكنت الطالبات من الخروج بأول مظاهرة كانت ضد خمار الوجه الذي يدعى “بُوشيَّة”.

مظاهرات وجمعيات ونوادٍ

استمر الحراك النسوي إلى جانب الحراك المجتمعي إلى ما بعد الاستقلال، وكانت أولى المظاهرات النسائية قد انطلقت في 17 يونيو 1961 تأييداً لاستقلال البلاد الذي أُعلن بعد يومين من المظاهرة، ثم استمرت المظاهرات التي شاركت فيها الطالبات والسيدات العاملات وربات البيوت كذلك للمطالبة بالتغيير الاجتماعي، وللإعلان صراحة بأن للمرأة ما للرجل من حقوق، على خلفية الدستور الكويتي الذي أعطى للمرأة دفعة قوية نحو الأمام مثلما أعطى للرجل، ولعل تأسيس الجمعيات النسائية، الاجتماعية منها والثقافية والتطوعية، كانت أول ثمرات تلك المطالبات.

ففي بداية الستينات من القرن العشرين حاولت مجموعة من الفتيات العائدات من الدراسة في الخارج تشكيل “نادي المرأة الكويتية”، لكن السلطات الحكومية رفضت السماح لهن بالعمل مراعاة للتقاليد، فقدمن طلباً لإنشاء “الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية” التي أشهرت في فبراير 1963، والتي تبنت الجمعية عدداً من الأهداف التي تضمن رفع مستوى المرأة في شتى الميادين، وضمان مشاركتها في أنشطة المجتمع، وتوعيتها بحقوقها وواجباتها، وكذلك بجميع القضايا المجتمعية، تلتها في التأسيس “جمعية النهضة الأسرية”، وفي عام 1965 كُتب لجمعية المرشدات الكويتية أن تشهد النور وتصبح لاحقاً عضواً كامل العضوية في الجمعية العالمية للمرشدات وفتيات الكشافة، في حين تأسست جمعية الهلال الأحمر الكويتي في يناير 1966، وباسم (اللجنة النسائية) أنشئ فيها جناح خاص بالمرأة يوم 16 يناير لتتمكن المرأة الكويتية من الانخراط في العمل التطوعي.

عام 1974 أنشأت الجمعية الثقافية والنهضة الأسرية اتحاداً نسائياً لتأطير العمل النسوي في الكويت، وللمطالبة بحقوق المرأة كاملة، ما لبثت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أن أصدرت قراراً يقضي بحله عام 1977 إثر انسحاب الجمعية الثقافية منه.

بين عامي 1981 و1982 أنشئت جمعيتان إسلاميتان، هما “بيادر السلام”، و”الرعاية الإسلامية”، و”البيادر” عملت منذ تأسيسها على التوعية الإسلامية وتحفيظ القرآن والعمل الخيري وتدريب الفتيات على بعض المهارات الفنية وإنشاء رياض الأطفال، فيما ركزت “الرعاية” على توعية المرأة بأهمية العمل التطوعي وترسيخ الانتماء والولاء للوطن والاهتمام بالطفولة والأمومة والعمل الخيري. وكلا الجمعيتان انطلقتا من أرضية دينية محافظة، فلم تتبنيا حقوق المرأة السياسية، ولم تدعما هذا المطلب، لا بل تمت معارضته من قبلهما.

وبينما تم تسجيل الاتحاد الكويتي للجمعيات النسائية عام 1994؛ فقد امتنعت جمعية النهضة النسائية من الانضمام إليه، لأنها اعتبرت الاتحاد مناورة من السلطة لسحب البساط من تحتها وتقييد حركتها. خاصة وأنه لم يتبنّ المطالبة بالحقوق السياسية للمرأة، وربما لهذا السبب لم يكتب له النجاح.

الحلم بالتصويت والترشيح

ظلت الخطى تتقدم وتتسارع لصالح المرأة الكويتية، إلى أن مُنحت حق التصويت عام 1985، خاصة وأن قانون الانتخاب الكويتي يضمن الحق لكل كويتي بلغ من العمر 21 عاماً بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية باستثناء العسكري والمحكوم جنائياً والمجنس لأقل من 20 عاماً، لكن سرعان ما حُرمت المرأة من حقها هذا.

ومراراً وتكراراً طالب بعض البرلمانيين بإعادة منح المرأة حقها في التصويت بدايةً، ثم في الترشّح؛ إلا أن مجلس الأمة كان يرفض باستمرار إصدار تشريع خاص بذلك، مع العلم أن جهود المرأة الكويتية كانت حينها منظمة، وهي التي انتمت إلى جمعيات عديدة شجعتها الحكومة ودعمتها، ورغم ما قدمته من أعمال إغاثية تطوعية إبان الغزو العراقي للكويت عام 1990.

لم يستمر الحال على ما هو عليه، إذ أعيد حق التصويت للمرأة في مايو عام 2003، بعد أن أقر مجلس الوزراء تعديلات جوهرية على قانون البلدية، فمنحها تمثيلاً في المجلس البلدي، عبر الترشيح والانتخاب والتعيين، وبعد عامين – أي في أيار/ مايو 2005 – أقر مجلس الأمة منح المرأة حق الترشيح والانتخاب، بتأييد 35 عضواً مقابل رفض 23 غالبيتهم من الكتلة الإسلامية بشقيها السني والشيعي، وهم الذين رضخوا للأمر الواقع، وأعلنوا هزيمتهم أمام الليبراليين من النساء والرجال على حد سواء.

وبناء عليه عُدّل قانون الانتخابات الصادر عام 1962 بموجب القانون رقم (17) الذي أعطى المرأة حقوقها السياسية كاملة شأنها شأن الرجل، ولا شك أن الموقف البطولي للمرأة الكويتية خلال محنة الغزو العراقي ساهم إلى حد بعيد في منحها تلك الحقوق في ظل وعيها بدورها الوطني.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الإسلام السياسي بشقيه، والذهنية القبلية أيضاً؛ لم يكونا بعيدين عما حدث، فالطريق الذي سلكته المرأة الكويتية كان وعراً بسببهما، متمسكَين بما جاء في كتب المفسرين قبل 14 قرناً، وبما حملته الأعراف القبلية التي يسود فيها الرجل على المرأة، ومع ذلك لم يستطع أحد وقف التيار المتصاعد الذي كان بمثابة قوة مضادة لأصحاب الفكر الرجعي.

التطور الذي حدث في مسيرة المرأة مكّنها من الوصول إلى مناصب عليا، ففي يونيو 2005 عُينت د. معصومة المبارك لتصبح أول وزيرة في الكويت، وهي صاحبة تاريخ نضالي سياسي استمر أكثر من ربع قرن، وإحدى أبرز الناشطات السياسيات والمطالبات بحقوق المرأة.

وفي الانتخابات البرلمانية التي أقيمت في مايو 2009 وصلت المرأة إلى البرلمان بحصولها على 4 مقاعد، الأمر الذي دفع أصحاب القرار إلى تعديل المادة الأولى من قانون الانتحابات، والتي كانت تلزم المرأة في الترشيح والانتخاب بالالتزام بالقواعد والأحكام المُعتَمدة في الشريعة الإسلامية.

في تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته أصدرت المحكمة الدستورية في الكويت حكماً فتح الطريق أمام المرأة للسفر إلى الخارج دون شرط الحصول على إذن زوجها، لتخرج بذلك أكثر من وصاية الرجل، وبحكم من المحكمة التي أقرت عدم دستورية الفقرة الأولى من المادة (15) من القانون رقم (11) لسنة 1962، معتبرة أن “حرية التنقل غدواً ورواحاً، بما تشتمل عليه، من حق كل شخص)، مع إيضاح أن (الشريعة الإسلامية جعلت من حرية التنقل قاعدة عامة، وتقييدها هو الاستثناء الذي لا يكون إلا لضرورة – تقدر بقدرها – ولمصلحة عامة، مردها إما حماية العقيدة الإسلامية، أو المحافظة على الصحة العامة، أو المحافظة على الأعراض والآداب الإسلامية)، خاصة وأن المواثيق الدولية التي انضمت إليها دولة الكويت؛ ضمنت ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948.

وإزاء كل ما حصل ويحصل لا تزال المرأة الكويتية مستمرة في طريقها، وباتت منذ عام 2015 تحتفل بيومها “يوم المرأة الكويتية”، في ظل دستور نصرها في عدة مواد، ومن بينها: المادة (7) الباب الثاني: العدل والحرية والمساواة دعامات المجتمع، المادة (29) الباب الثالث: الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين، المادة (30) الباب الثالث: الحرية الشخصية مكفولة، المادة (31) الباب الثالث: لا يُعَرَّض أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة، المادة (35) الباب الثالث: حرية الاعتقاد مُطلقة، وكل ذلك على الرغم من الحراك الحثيث والمنظم من قبل “نظام ولاية الفقيه”، و”الإخوان المسلمون”، والحركات الدينية الإسلامية المتشددة، تلك التي تسعى إلى إقامة دولة إسلامية، منطلقة كل جماعة من عقيدتها وإيديولوجيتها، ومستخدمة جميع الوسائل، سواء ببث أفكارهم في المجتمع وإثارة عواطف الناس الدينية، والعمل على إعاة المرأة إلى بيتها، والاستئثار بمفاصل الدولة.

رائدة كريم

The post الدستور والليبراليون ينتصرون المرأة الكويتية نالت حقها السياسي بعد نضال….؟ appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد