الأخوات المسلمات في سوريا.. عامل تجميليّ لتحسين صورة التنظيم
موقع السيدة -

تسارعت وتيرة تمثيل المرأة السوريّة في الأحزاب ‏والتنظيمات كما في حكومة نظام الأسد بعد الثورة، وذلك في ظلّ الظروف ‏الدوليّة المؤيّدة لحقوق المرأة، المنادية بضرورة مشاركتها على ‏الصعد كافة، مراعاة لحقوق الإنسان وتعزيز الحريّات، وذلك عبر ‏كوتا نسائيّة على طريق تحقيق المساواة، والحدّ من التمييز.‏

فقد سعى نظام الأسد جاهداً إلى زيادة عدد النساء في صفوفه الأماميّة، ‏حسب متطلّبات المرحلة، وتمثيل المرأة تمثيلاً صوريّاً، بحيث لا ‏تشكّل خطراً على بنيته الاستبداديّة، وذلك في مسلسل إعادة تأهيله ‏بتواطؤ دوليّ سافر.‏

وكذا فعلت جماعة الإخوان المسلمين في ‏سوريا، حيث عملت على ‏زيادة تمثيل المرأة في صفوفها، يقيناً منها بأنّها تشكّل ورقةٌ ‏رابحة ‏على الساحة السياسيّة، تضمن لها ‏الترويج والقبول دوليّاً. فضلاً عن ‏أنّها تبرز وجهها الحضاريّ. على الرغم من أن مشاركة المرأة ‏كفاعل أساسيّ في العمل السياسيّ غير واردة في أدبيّاتهم، وهي ‏منافية لتركيبتهم الذكوريّة ولأفكارهم الأساسيّة ‏التي قامت عليها الجماعة الأمّ.

وما محاولة صباح السقاري الترشّح لرئاسة حزب الحريّة والعدالة ‏في مصر، سوى خطوة شكليّة، كما ترشيح المرأة للانتخابات ‏البرلمانيّة، حسب د. عمّار علي حسن الباحث في علم الاجتماع ‏السياسيّ، الذي عدّها رسالة للداخل والخارج بوجود مساواة بين ‏الرجل والمرأة. وبأنّ “هذه الخطوات الشكليّة، لاتعني أنّ الجماعة ‏غيّرت موقفها من المرأة، لأنّها مسألة تتعلّق بمنهج فكريّ ينظر ‏للمرأة على أنّها عامل مساعد، وليست فاعلاً حقيقيّاً”.‏

يعود ذلك إلى أساس الخطاب الذي أسسه حسن البنّا (1906-‏‏‏1949) مؤسّس الجماعة، ‏الذي لا ينظر إلى المرأة إلاّ من باب ‏درء ‏الفتنة، حيث شرح في رسائله الأدوار المنوطة بهنّ، ‏محدّداً ‏الشروط ‏التي ‏تضبط حركتهن داخل المجتمع، ضمن أطر ‏لا ‏تتخطّى ‏السياق ‏التقليدي، بل تتراجع عنه أحياناً كثيرة، وهو أن ‏عليها ‏الحفاظ على دورها في الزواج والأمومة، سامحاً لها ‏ببعض ‏المهام ‏الأخرى التي لا ترتقي إلى حضورها الإنساني.‏ إضافة إلى ‏تضمين مناهج التعليم الخاصّة بها، ما يتناسب مع طبيعة دورها ‏وحاجتها. حيث دعا البنّا إلى ضرورة إعادة النظر في مناهج تعليم ‏البنات، ووجوب التفريق بينها وبين الذكور في كثير من مراحل ‏التعليم.‏

وقد حدّد مؤسّس الجماعة دور المرأة في كتابه “الرسائل”، ‏تحت ‏عنوان “رسالة المرأة”، الذي جاء فيه: “‏علموا المرأة ما هي بحاجة ‏إليه، ‏بحكم ‏مهنتها ‏ووظيفتها التي خلقها ‏الله لها، تدير المنزل، ‏وترعى ‏الأطفال”.‏

لكنّ رؤيتهم تلك لم تمنعهم من استغلال إمكانيّة المرأة، وقدرتها على الوصول إلى شريحة شعبيّة واسعة، وذلك بإنشاء قسم “الأخوات ‏المسلمات”، برعاية “أخٍ” ينظّم شؤونهنّ، ‏بهدف الهيمنة على ‏المجتمعات النسائيّة المغلقة، ونشر دعوة ‏الإخوان المسلمين، وحشد ‏الدعم لها.‏ إذ بدأ التنظيم دعويّاً اجتماعيّاً، قبل أن تدفعهم الظروف ‏للزجّ بهن في مجال السياسة، ليس من منطلق إيمانهم بحقوق ‏المرأة، ‏وعدالة قضيّتها، إنما تماشياً مع ‏متطلّبات الساحة السياسيّة. ‏

وقد نصّت اللائحة الداخليّة للنظام الأساسيّ “للأخوات المسلمات” ‏عام 1932م، على “المشاركة في حدود ظروفهنّ وجهودهنّ”، لتبقى ‏تلك الحدود مرهونة برؤية مؤسّس الجماعة ومنظّريها.‏

وقد مرّت جماعة “الإخوان المسلمين” بمراحل تطوير وتجديد، ‏حيث ‏مرّوا على ملفّ المرأة مروراً شكليّاً، فحصروا دورها في الشأن النسائيّ العام، في محاولة للتكيّف مع المطالب الجديدة لدورها ‏الأكثر علنيّة، ‏وتماهياً مع استراتيجية الإصلاح والانفتاح على العالم ‏الحديث ‏ومواكبة التطوّر.

وفي سياق حاجة الجماعة لتقديم تنازلات من أجل بناء التحالفات، يُسمح للمرأة بالمشاركة المشروطة في انتخابات المكاتب التنفيذيّة والإداريّة والقضاء، في نطاق ما يحفظ عفّتها وحيادها وكرامتها. حيث يعطونها بيد ما يأخذونه بالأخرى. فبقيت بعيدة ‏عن مراكز ‏القيادة ‏واتخاذ القرار، كمجالس ‏الشورى، التي ‏اقتصرت ‏عضويّتها ‏على ‏الرجال الذين يضعون السياسات ‏الخاصة ‏بالرجال ‏والنساء معاً.‏

الأخوات في سوريا

تعود جذور المشاركة النسائيّة في صفوف الجماعة في سوريا إلى مطلع الخمسينات، بجهود مكثّفة من الناشطة أمينة الشيخة، ومصطفى السباعي قائد التنظيم في سوريا آنذاك، وكان قرار إنشاء جماعة “الأخوات السوريّات”، في مهمّة أساسيّة لتجنيد النساء في التنظيم. واضطلعت الجماعة بأدوار دعويّة واجتماعيّة عبر تاريخها، حيث رفدت التنظيم بدعم شعبيّ وانتشار واسع. وقد تعرّضت الكثيرات منهنّ للقمع والاعتقال، وأحياناً للقتل في مرحلة الثمانينات، بسبب نشاطهن في التنظيم، أو بسبب علاقات القربى التي تجمعهن مع قادة التنظيم وناشطيه. حيث اغتيلت بنان الطنطاوي، زوجة الزعيم السابق ‏للإخوان ‏المسلمين، ‏عصام العطار، في منزلها عام 1981.  كما وثّقت الناشطة هبة الدبّاغ حالات التعذيب خلال تسعة أعوام أمضتها في سجون نظام الأسد. ما اتّخذه قادة الإخوان فيما بعد، ذريعة للتقليل من شأن المشاركة النسائيّة، بسبب التضييق الأمنيّ والخوف عليهنّ.

وقد عادت “الأخوات السوريّات” إلى ممارسة نشاطهن بكثافة على الأرض عام 2011، خلال مرحلة الثورة. حيث اضطلعن بأدوار إنسانيّة وخيريّة، ونشر دعوة الإخوان، فأنشأن المنظّمات الإغاثيّة والتعليميّة في مخيّمات اللجوء وغيرها. كما تعزّز حضورهن في “فرع الشباب”، التابع للجماعة، لرفده بعناصر نسائيّة شابّة، وضخّ دم جديد في صفوفه. كما شاركت الأخوات في صحيفة “العهد” الصادرة عن الإخوان، بأصوات جديدة، أملاً في الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

هذا الحضور النسائيّ اللافت على الأرض، لم يكن له انعكاساته في المراكز القياديّة لدى الجماعة، ولم يترجم في أروقة صنع القرار، التي بقيت رهينة البنى الفكريّة القديمة للجماعة الأمّ، القائمة على التمييز واستبعاد المرأة.

وهذا ما عزته انتصار عبد المنعم، المنشقة عن الأخوات في مصر، في كتابها “حكايتي مع الإخوان”، إلى أنّه: “يتعلّق بالنظرة القاصرة للمرأة داخل التنظيم. حيث لا تُمنح فرصاً مساوية لفرص “الأخ”. فأيّاً كانت الدرجة التي يمكن أن ‏تصل ‏إليها المرأة في السلم الإداري، ومهما أثبتت جدارتها في ‏الجوانب ‏الإدارية والتنظيمية، لا بد أن تكون مرؤوسة من “أخ” يكون ‏بيده ‏تصعيدها إلى درجة أعلى أو تجميدها في مكانها أو حتى ‏معاقبتها، ‏وتكون وظيفتها داخل التنظيم تنفيذ خطط موضوعة مسبقاً ‏من قبل ‏الرجال دون مناقشة أو إبداء رأي، وتُمحى ‏شخصية المرأة وهويتها تحت مسمى “الطاعة”.‏

وقد ظلّ وضع المرأة داخل جماعة الإخوان المسلمين محل ‏انتقاد جميع التيّارات، ليبرالية وعلمانية، وحتى الإسلاميّة منها، حيث أجمعوا على أنّها ‏تعاني التهميش والتمييز، ولا تتمتع ‏بمكانة مساوية لمكانة ‏الرجل، وظلّت بعيدة عن مكاتب القيادة، وإن ‏وجدت فبمشاركة ضئيلة لا تتناسب وحضورها في صفوف التنظيم.‏ ‏

ورغم اهتمامهم بزيادة تمثيل النساء لاحقاً، إلا أنهم لم يفلحوا بسبب البنى ‏الفكريّة التقليديّة، التي مازالت تسيطر على معظم مفاصل القيادات ‏الإخوانيّة، وتبعد النساء فضلاً عن الشباب، لعدم الثقة بقدرتهن على القيادة وإدارة ‏الأمور.‏

وعلى الجانب الآخر، لجأ الإخوان المسلمون كغيرهم من التيّارات الإسلاميّة، إلى فصل الجانب الدعويّ والاجتماعيّ عن السياسة، إمعاناً منهم في تضييق ساحة المدّ ‏النسويّ على ‏مفاصل ‏الجماعة القياديّة وإداراتها.‏ وفي الوقت ذاته الاستفادة من العنصر النسائيّ في توسعة الانتشار في الأوساط الشعبيّة، وحشد الدعم للتنظيم.

والمتتّبع لخطاب الإخوان في سوريا فيما يخصّ المرأة، يرى أنّه خطاب ضبابيّ هشّ، تشوبه التناقضات والازدواجيّة، التي ظهرت جليّاً خلال مرحلة الثورة. ولعلّ مستجدّات الساحة السياسيّة ألقت بظلالها على قادة التنظيم، الذين يجدون صعوبة في الخروج من عباءة “الجماعة الأمّ”، ومؤسّسها وقادتها الأوائل. فجاء التغيير هزيلاً، ولم يصب لبّ الفكر وجوهره.

وعلى مدى تاريخ الجماعة الطويل، ظلّت الفجوة تتّسع بين التنظير والممارسة في قضيّة المرأة، كما في غيرها من القضايا. حيث تحفل أدبيّاتهم أحياناً بضرورة المساواة التامّة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، عندما تنتفي الاعتبارات التاريخيّة لوصاية الرجل، وتسقط أسباب القوامة. في حين تفصح ممارساتهم عن حصر مهامها في الأمومة والأسرة، “التي تحقّق لها كرامتها”. وفي هذا السياق جاء انتقاد الجماعة في مصر لوثيقة لجنة المرأة في الأمم المتحدة لإلغاء ومنع كلّ أشكال العنف ضدّ المرأة. فهي تعمل على هدم الأسرة حسب زعمهم، وتصطدم مع مبادئ الإسلام وثوابته، وتقضي على الأخلاق السامية.

وفيما يخصّ تقلّد المرأة لمناصب الدولة العليا، فالأمر محسوم بالنسبة للجماعة في سوريا وغيرها، وقد قطع فيه أبو علي المودودي، أحد مصادر الإخوان الفكريّة، بـ (الرجال قوّامون على النساء… ولن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)، حيث رأى أن تولّيها المناصب القياديّة، يخالف النصوص الصريحة في الدولة الإسلاميّة، ويعدّ مخالفة لطاعة الله وشرعه. ومن جهةٍ يأتي متّسقاً مع بنيتهم الذكوريّة، التي تعلي شأن الرجل مقابل دونيّة المرأة.

وتبقى الجماعة في سوريا رهن الكثير من التناقضات ‏التي ‏يعيشها ‏الإخوان المسلمون في معظم البلدان التي ينشطون فيها، ‏حول قضيّة حقوق المرأة والمساواة بينها ‏وبين ‏الرجل من جهة، ‏وعلى مستوى الجماعة نفسها في البلد الواحد من جهة أخرى. ‏وتظهر هذه التناقضات في حالات تصادم، تفقد الجماعة الكثير من ‏المصداقيّة، وتُفضي إلى فقدانها الكثير من أتباعها.‏

كما حدث بين حركة النهضة التي رحبت ‏بقرار المساواة بين ‏الرجل والمرأة في الميراث في تونس، ‏الأمر ‏الذي عارضته مؤسّسة ‏الأزهر، ما ‏أغضب بعض علماء حركة النهضة ‏وقادتها، ‏وعدّوه تدخّلاً في ‏شؤون الجماعة في تونس، في حين اتّخذ بعضهم الأخر موقفاً إلى ‏جانب الأزهر.

ويرى هشام النجّار، الباحث الإسلاميّ، أنّ موقف فروع الإخوان ‏بشأن قضيّة المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، يبقى غائماً‏. ‏فالإخوان يمسكون العصا من المنتصف ويلعبون على كلّ الحبال، ‏فتأتي مواقف قادتهم متناقضة، فلا يُؤخذ عنهم رأي عام.‏

خاتمة

ورغم الدفع باتّجاه تعزيز مشاركة النساء، يبقى حال المرأة في تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا وغيرها، وكما في معظم الحركات الإسلاميّة، عاملاً تجميليّاً لتحسين صورة التنظيم، وتوسيع قاعدته. وينحصر دورها في الجانب الدعويّ، أو الاهتمام بقضايا المرأة حصراً، دون إشراكها في قضايا الأمة المصيريّة.

نبال زيتونة

The post الأخوات المسلمات في سوريا.. عامل تجميليّ لتحسين صورة التنظيم appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد