هل تفتح المرأة الباكستانية صفحة جديدة ضد القوانين التمييزية؟
موقع السيدة -

أعلن عمران خان، نجم الكريكت السابق الذي تحول إلى سياسي، انتصار حزبه (حركة الإنصاف) في الانتخابات التشريعية في باكستان، البلد غير المستقر، الذي يترنح بين العنف في الانتخابات ومزاعم التلاعب في التصويت. وقد وعد عمران خان بالتعامل مع التفاوت الاقتصادي وسيادة القانون، حيث قال في أول خطاب له بثه التلفزيون بعد الانتخابات: “سنكون مثالاً في كيفية تطبيق القانون على الجميع، إذا كان الغرب متقدماً علينا اليوم، فذلك لأن قوانينهم ليست تمييزية. الأمر الذي سنعمل على تطبيقه”.

وعلى الرغم من تصريحات خان الانتخابية التي تسيء إلى النساء العاملات والأمهات، فإن برنامجه السياسي الذي أصدره حزبه “حركة الإنصاف” قبل الانتخابات كان قد تناول بالتحديد المساواة بين الجنسين، واعداً بالمبادرات المتعلقة بتعليم المرأة، والفرص الاقتصادية والرعاية الصحية، والحماية القانونية. وبما أن عمران خان شكل حكومة ائتلافية جديدة، فإنه يتمتع بفرصة قوية لتنفيذ برنامج حزبه ومواصلة تعزيز مكانة المرأة في مكان العمل، وبالتالي سيحقق النمو الاقتصادي للأمة بأكملها.

الجلوس في المنزل أكثر أماناً!

يضع تقرير “الفجوة العالمية بين الجنسين للمنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2017 ” باكستان في المرتبة 143 من بين 144 دولة في مؤشر المساواة بين الجنسين، بسبب أدائها السيئ في المشاركة الاقتصادية للمرأة والتمكين السياسي والالتحاق بالتعليم العالي.

لماذا لا تكون النساء في المكاتب أو فصول الجامعة؟ أحد الأسباب هو عدم تطبيق قوانين لضمان سلامتها. في باكستان لا يوجد شيء اسمه مساحة آمنة للنساء والفتيات، فالعنف القائم على الجنس هو السائد داخل وخارج المنزل، حيث تواجه النساء والفتيات في المدارس وأماكن العمل جميع أنواع العنف، ابتداء من التلصص إلى مطالب جنسية مقابل الترقيات. حتى النساء المشرعات لسن محصنات، ففي البرلمان تتعرض النساء للاحتجاج والنقد بسبب مظهرهن. كما أن الأمر أصعب بالنسبة إلى العديد من النساء خارج المراكز الحضرية في الباكستان.

تقول نورين نصير، الأستاذة في جامعة بيشاور، وهي أصلاً من المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية: “إن النساء المستقلات اقتصادياً، اللاتي يعملن في المدن الصغيرة والمناطق الريفية، يعتبرن شخصيات لا أخلاقية ولا يحظين بالكثير من الاحترام في المجتمع بسبب الجدل الديني حول دورهن، وحتى لو كانت المرأة تعمل في وظيفة مقبولة، فسوف تواجه أشكالاً خفية من المضايقات، أما إذا اختارت أن تدخل مجالاً تقليدياً يسيطر عليه الذكور، مثل السياسة أو الصحافة أو النشاط المدني، عندها ستواجه الكثير من التحديات”.

ووفقاً للبنك الدولي، فإن التحرش القائم على أساس نوع الجنس والعنف ضد المرأة يأتي بتكلفة فعلية للنمو الاقتصادي لباكستان، حيث تسهم بنسبة 22 في المائة فقط من النساء المشاركات في القوة العاملة، مقارنة بنسبة 46 في المائة من النساء على مستوى العالم. ووجد تقرير نشره صندوق النقد الدولي مؤخراً أن سد الفجوة بين الجنسين في المشاركة في قوة العمل يمكن أن يعزز الناتج المحلي الإجمالي لباكستان بنسبة 30٪.

تقول المحامية ومؤسسة “الحقوق الرقمية في باكستان” نيجات داد: “هناك صلة قوية بين التحرش القائم على النوع الاجتماعي والتمكين الاقتصادي للمرأة في باكستان، يرفض الرجال ذهاب النساء إلى مكاتب العمل أو السماح لهن بالمشاركة في الأماكن العامة بسبب الطريقة التي يعاملهن بها الرجال، فنحن نسمع الرجال يقولون: (لحمايتك، لا يمكننا السماح لك بالذهاب للعمل في مكاتب الدوائر الحكومية، أو ممارسة المحاماة أو في المستشفى كطبيبة)”.

“المشكلة هي أن الباكستانيات ينجحن على الرغم من النظام”، تقول رفيعة زكريا، الصحفية في جريدة “داون”: لا يزال النظام يقف موقف المتفرج، ولا يهتم بجعل مكان العمل آمناً بالنسبة للمرأة، بينما يحرص النظام على تطبيق قواعد السلوك الإسلامية ويضع النساء والرجال في مكاتب منفصلة. عندما تضع النساء في مساحات منفصلة، فأنت تقضي على فرصة حصولهن على الفرص التي تستحقها. الحل هو منحها الحماية”.

هل تقوم الشرطة والمحكمة بحماية المرأة؟

فازت المدافعات عن حقوق المرأة والمحاميات والمشرِّعات، بمعارك تاريخية من أجل سن قوانين جديدة للحد من المضايقات والعنف ضد المرأة، بما في ذلك تعديل قانون العقوبات الباكستاني لعام 2006 المتعلق بحماية المرأة، وقانون عام 2010 المتعلق بحماية المرأة من التحرش الجنسي في مكان العمل، وقانون منع الجرائم الإلكترونية (PECA) لعام 2016، الذي يجرم التحرش الالكتروني.

ومع ذلك، لا تزال باكستان تكافح من أجل تطبيق القوانين التي تحمي المرأة من العنف في أماكن العمل والمجالات الحساسة لتقدم المرأة باتجاه مواقع القيادة، مثل الجامعات. وحتى في الحالات التي تحكمها القوانين، غالباً ما يتم إجهاض العدالة في وجه “القانون العرفي”، حيث لا يتم تنفيذ الحماية الدستورية والرسمية في المحاكم الباكستانية لعدة أسباب، أولها الخوف من الانتقام ومن ثم “مجلس الحكماء” المعروف بـ”الجيرغا” التقليدية في المناطق القبلية الذي يصدر الأحكام بطرق لم تتغير منذ ما قبل الاستقلال.

“لقد ساعد التشريع على معالجة القضايا الخطيرة المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي ولعب دور الرادع”، يقول ناصر، الذي قتل ابن عمه في جريمة “شرف” في المناطق القبلية. “هناك أمور محددة في عرف المشرّعين لضمان حماية حقوق النساء، لكن يوجد ثغرات تتسبب في الاخفاق في معالجة قضية العنف القائم على النوع الاجتماعي في المناطق الريفية. تعاني النساء من حالات الفشل في تطبيق القانون وذلك من اللحظة التي يتقدمن فيها للإبلاغ عن المضايقات والجرائم المرتكبة وفق النوع الاجتماعي إلى الشرطة. وعند إجراء المقابلات والفحوص الطبية، غالباً ما تفشل نتيجة عدم حصول ضباط الشرطة على التدريب المناسب، والذين يرفضون إعطاء الأولوية لجمع الأدلة التي يمكن أن تؤدي إلى المقاضاة. كما تواجه الضحايا وعائلاتهن وصمة اجتماعية، وقد تؤدي الشائعات عن العلاقات السابقة إلى عدم معاقبة الجناة. ونتيجة لذلك، فإن العديد من الباكستانيات لا يبلغن عن أي جريمة  على الإطلاق، ويسحبن الشكاوى بسبب الضغط من عائلاتهن أو مجتمعاتهن، أو ببساطة لأنهن لا يستطعن كسب قضاياهن في نظام يتلاعب بهن.

يقول المحامي في لاهور، ساروب إجاز، من منظمة هيومان رايتس ووتش (HRW) في باكستان: “كانت هناك تشريعات تقدمية، تقودها نساء سياسيات على مستوى المقاطعات والمستوى الاتحادي، للتعامل مع المضايقات والعنف ضد المرأة، لكن الأهم هو إمكانية التنفيذ، الذي كان من المفترض أن يكون قد حدث بالفعل. عندما يكون لدى الدولة قوانين ضد المرأة ، فإنها تسمم البئر”.

لا للتعدي على المهن “الذكورية”

هناك بعض الحالات التي توضح التحديات التي تواجه الباكستانيات اللواتي يسعين إلى ممارسة مهنة ذكورية تقليدية، مثل  طالبة الحقوق خديجة صديقي، التي طعنت 23 مرة أثناء اصطحابها شقيقتها من المدرسة من قبل زميل دراسة في كلية الحقوق. لكن تلك الطعنات لم تستطع إسكاتها، فقد تابعت قضيتها في المحكمة واستخدمت الصحافة ووسائل الإعلام الاجتماعية للمساعدة في حملتها، مع هاشتاغ #KhadijaTheFighter الذي حصد ما يقرب من 2 مليون متابع. وقد حُكم على مهاجمها، وهو نجل محام بارز، بالسجن لمدة سبع سنوات، ولكن تمت تبرئته بعد ذلك عام 2018 من قبل محكمة أعلى. وقالت صديقي إن قضيتها أظهرت: “وصمة العار الساحقة ضد النساء في نظام العدالة، حيث يقع العبء على المرأة لإثبات أنها الضحية”. وبدون توفير حماية أساسية لسلامة النساء في التعليم العالي والمجالات المهنية التقليدية للذكور، حسب المناصرين الباكستانيين، لن تتمكن النساء من المشاركة الكاملة في أماكن العمل المهنية وتحقيق قوة  اقتصادية.

تقول نيجات داد: “عندما تتحدث النساء عن المضايقات، فإن محاكمنا وتطبيق القانون لا يدعمهن. ثم يقول الرجال:(أريت؟ أخبرتك من قبل أن هذه الأماكن ليست آمنة لك، بينما عندما تجلسين في المنزل داخل الجدران الأربعة لمنزلنا ستكونين آمنة). إذا تحدثت النساء، فسوف تفقدن حريتهن وحقهن في العمل”.

لكن في حال تم التوسع في قوانين المقاطعات على المستوى القومي التي تحمي النساء العاملات، بالإضافة إلى تطبيق القوانين القائمة، حينها يمكن للحكومة الباكستانية الجديدة أن تلعب دوراً قوياً في سلامة مكان العمل للنساء، من خلال تشجيع جميع الحكومات الإقليمية على تنفيذ برامج ناجحة ضمن الأطر القانونية في المحافظات الأخرى.

في 8 آذار/ مارس 2013، احتفلت جمعية مقاطعة السند باليوم العالمي للمرأة  واعتمدت بالإجماع مشروع قانون (الوقاية والحماية من العنف الأسري)، حيث قام ائتلاف من قادة المجتمع المدني، بقيادة مؤسسة أورات، بالمطالبة بتمرير القانون لمدة خمس سنوات. ينص القانون على تعريف شامل للعنف الأسري يتضمن لأول مرة “الإساءة الاقتصادية” ، ونص على عقوبة بالسجن تصل إلى عامين للمعتدين. وحقق المدافعون فوزاً كبيراً في ولاية البنجاب في عام 2016، عندما عالجوا في اجتماعهم الفجوات في القانون الباكستاني من خلال تمرير قانون حماية المرأة ضد العنف. وزعمت منظمات دينية محافظة مثل مجلس الفكر الإسلامي أن القوانين “غير إسلامية وصدرت لإنجاز أجندة الغرب لتدمير نظام الأسرة في باكستان”.

وقد أثبت القانون بقوة أن العنف ضد المرأة هو جريمة جنائية، يقول سلمان صوفي، المدير العام في وحدة إصلاحات رئيس الوزراء الاستراتيجية في البنجاب في مقابلة مع مجلس العلاقات الخارجية: “إن معظم المسودات السابقة ركزت فقط على العنف المنزلي، لكني أردت التأكد من أن جميع أنواع العنف تدخل في سياق العنف الجنسي والعنف الالكتروني والإساءة الاقتصادية والاعتداء النفسي. إذا أردنا أن نجعل من النساء قوة فاعلة في التنمية الاقتصادية في باكستان، علينا أن نتأكد من أنهن محميات أولاً”.

وبدلاً من أن يتم ابعادهن عن مراكز الشرطة عند الإبلاغ عن العنف، أعطى القانون النساء الضحايا دعماً جديداً من الحكومة الإقليمية يؤمن لهن الحماية من خلال العقوبات الجنائية وسبل الانصاف المدنية، من الحكم، إلى التعويض القانوني والطبيعي، إلى رصد الجناة. وهي فرصة لزيادة التقدم الاقتصادي والسياسي للمرأة.

وقد حققت جميع النساء في باكستان تقدماً مهماً خلال أسبوع الانتخابات، حيث صدرت تقارير عن تصويت النساء للمرة الأولى منذ الاستقلال بسبب الحماية القانونية الجديدة وترشيح القاضية “سيدة طاهرة صفدر” لمنصب رئيس القضاة في المحكمة العليا. بالإضافة إلى زيادة عدد ضابطات الشرطة للتحقيق في العنف القائم على نوع الجنس.

إن تمكين المحاكم من التعامل مع المضايقات وإساءة المعاملة يقع في صلب البرنامج الانتخابي لرئيس الوزراء الجديد “عمران خان”، برنامج حافل بالوعود بتأمين التمكين القانوني والاقتصادي للنساء، كما قال خان في كلمته: “لدينا ثاني أكبر عدد من فئة الشباب في العالم… وهم بحاجة إلى وظائف”. دعونا نأمل أن يعني ذلك توفير فرص عمل لملايين النساء الموهوبات والمستعدات للعمل في باكستان.

المصدر:

https://www.cfr.org/blog/pakistans-imran-khan-promises-end-discriminatory-laws

ترجمة وإعداد: رهف موسى

The post هل تفتح المرأة الباكستانية صفحة جديدة ضد القوانين التمييزية؟ appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد