القبيسيات.. منظمة نسوية أو دعوية؟
موقع السيدة -

تعالت في الفترة الأخيرة ومنذ حوالي ثلاثة أشهر، الأصوات المنددة بما يعرف بالقبيسيات، وهل هي تنظيم أو منظمة أم رديفاً لأحزاب إسلامية. أصوات رفعت صوتها للمرة الأولى، مثل سوريون ضد القبيسيات (والتنظيمات الدينية )،وتداعت إلى الإعلان على صفحات التواصل الاجتماعي عن صفحات خاصة على الفيس بوك وعن إعداد حملات، ليس لكشف خفايا هذه الظاهرة وحسب، بل لتحميلها جزءاً مهماً من محاولات التيارات الإسلامية وخاصة الظلامية منها أسلمة المجتمع السوري وتعميم ثقافة الإسلام المتعصب الأصولي، والذي يتلاعب بالمجتمع عبر المرأة والأسرة، بالتالي تحقيق عملية خلل بالبيئة الثقافية والمجتمعية للسوريين.
ثمة انتقادات قديمة يغلفها التساؤل عن طبيعة القبيسيات، المعروف عنهن أن حضورهن قوي ومؤثر، والأهم أنه محمي أو على الأقل مسكوت عنه.
أكدت وزارة الأوقاف في معرض الرد على الحملات المذكورة “أنه لا وجود لتنظيم اسمه “القبيسيات”، وإنما توجد حالياً معلمات لتدريس القرآن الكريم، مهمتهن تحفيظ القرآن وتفسيره، ويعملن فقط في المساجد ضمن معايير وتراخيص ممنوحة من الوزارة ووفق منهج موحد وفي النور”. وقال المصدر في الوزارة: “إن عدد المعلمات ألف ومائتا معلمة لا يتقاضين أي مرتبات من وزارة الأوقاف، إنما هن متطوعات يعملن تحت إشراف الوزارة”.
وجدت القبيسيات في منتصف السبعينيات من القرن الماضي دون ذكر سنة محددة، ويعود اسمها نسبة إلى “الآنسة منيرة القبيسي” مؤسسة هذه الجماعة، وقد ارتأينا أن توصيفها كجماعة هو الأنسب والأقرب إلى طبيعتها وهدفها وظروف نشأتها. وكانت القبيسي تعمل كمدرّسة لمادة العلوم في مدارس دمشق، بعد تخرجها من جامعة دمشق قسم العلوم لتتابع بعدها دراستها في كلية الشريعة الإسلامية. وقد أخذت “القبيسي” عقيدتها الدينية كما والدها من قبلها من الشيخ أحمد كفتارو، مفتي سوريا سابقا،ً وشيخ الطريقة الصوفية النقشبندية في دمشق.
أذكر ذات مرة نهرتني صديقتي بشدة داعية إياي للصمت وأنا كثيرة الكلام والانتقاد، حين أشرت إلى اللون الأزرق الداكن لحجاب إحدى السيدات، إضافة ل “مانطو” كحلي طويل داكن اللون، أجابتني هذا اللون هو علامة دينية، أو درجة، أي مرتبة دينية في التسلسل التراتبي للمعلمات أو الداعيات القبيسيات. وأذكر قولها “إن اللون الأبيض للحديثات أو المستجدات في درب الدعوة، والأزرق للمشرفات، أي اللاتي يشرفن على حلقات التدريس أو الدعوة، والكحلي للمعلمات، من معلّم، أي القيادات.

القبيسيات-موقع السيدة
القبيسيات-موقع السيدة

تنشط القبيسيات في المدارس العامة، وخاصة بعد ابعاد المعلمات الشيوعيات أو المتهمات بذلك من سلك التعليم، واستفرادهن بكافة فرص التعليم في فترة أواسط السبعينيات والثمانينات، وفي المدارس الخاصة. وثمة من يقول “إن ازدياد عدد المدارس الخاصة التي انتشرت بكثرة في السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وتزايد الطلب على التسجيل فيها، مرده إلى القبيسيات اللاتي يمتلكن عدداً كبيراً منها، ويستخدمنها لتعميم طريقتهن في التعليم وفي نشر رؤيتهن الخاصة بالدين الإسلامي، فما معنى أن يطلب من الطلاب في مرحلة الروضة لباس إحرام أو ثوب صلاة لتمثيل وقائع مناسك الحج قبل عيد الأضحى، أو الترغيب المبالغ به بالصيام والصلاة لأطفال لمّا يتجاوزوا سنينهم الخمس.
إن العلامة الفارقة لوجود جماعة القبيسيات هو غياب أي ملمح للعمل النسوي المقابل، أي العلماني، وبعد قرار إيقاف الاتحاد العام النسائي عن العمل، علت بعض الأصوات الرافضة لهذا الإيقاف، معتبرة أنه خطوة نحو إطلاق يد القبيسيات للتغلغل في نسيج المجتمع السوري وخاصة النساء والأطفال، ويعزز هذه المخاوف غياب قانون جمعيات يرخص لمنظمات أو جمعيات مهتمة بالشأن النسوي، بل ثمة توجيهات غير معلنة ترفض الترخيص لأي منظمة نسوية على أساس حقوقي، والمقصود هنا جمعيات عمل مدني، أو مكونة من علمانيات وناشطات مدنيات، وحقوقيات مختصات في مجال حقوق المرأة والطفل، خاصة في مجال نقد البنية القانونية التمييزية المثبتة بالقوانين النافذة بقوة النص الديني، وبرعاية وضغط مطلقين من المرجعيات الدينية.
التحقَ البعض من قيادات القبيسيات بتنظيم الإخوان المسلمين، وسجن البعض وغادر البعض الاخر، فقررت هذه المجموعة مغادرة العمل في السياسة من بابها الواسع والعلني، واعتبرن أن السياسة خط أحمر ولجأن إلى الفضاء المجتمعي، ودأبن بجد وروية على اقتناص الفرص المخبأة وراء الأبواب لأصحاب وصاحبات النفوذ المالي والسياسي والديني والمجتمعي، وكنّ كلما ازداد الضغط عليهن يلجأن للعمل من البيوت، وعندما يخف يعاودن العمل في المساجد.
وبحسب الدكتور محمد حبش، اتسم نشاط السيدة منيرة القبيسي بالضبط الإداري وبحسن توظيف الطاقات، خاصة بعد تخرج الكثيرات من معاهد تحفيظ القرآن وكليات الشريعة والمعاهد والكليات الشرعية التي افتتحت وعملت بطريقة شرعية ومنظمة.
تمكنت القبيسيات من الانتشار في الخليج واستطعن الوصول إلى الشيخة منيرة زوجة الأمير مشعل بن عبد العزيز وكسبها إلى جانبهن، وفي الكويت عملت أميرة جبريل على تأسيس جمعية بيادر السلام المعروفة في الكويت وذلك بمساعدة المرجع الصوفي الكويتي يوسف سيد هاشم الرفاعي، وتحولت هذه الجمعية إلى جمعية مرخصة ضمن منظمات وجمعيات النفع العام التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالكويت.
ولابد من الإشارة إلى أن السيدة أميرة جبريل قد قامت بتأسيس الجماعة في لبنان ومن ثم تركت القيادة لآنسة لبنانية تدعى سحر حلبي التي نشأت في فترة السبعينيات ودرست علم النفس في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) ثم توجهت إلى دمشق لتتلمذ على يد الداعية الأولى منيرة القبيسي، وقد أطلق على أتباعها في لبنان بالسحريات.
أما في الأردن فقد حملت الآنسة فادية الطباع ذات الأصول الدمشقية راية الدعوة القبيسية وعملت على نشر أفكار القبيسيات في عمان واستطاعت اختراق أهم العائلات اجتماعياً ومالياً في عمان وأطلق على أتباعها بالطباعيات، وما يشير إلى أنهن على علاقة بالتنظيم الرئيسي في دمشق هو اتباعهن لنفس النظام من ملابس وهندام وتراتبية وتنظيم إداري وجلسات الذكر، إضافة إلى اهتمامهن بالمدارس والتعليم الديني الموجه، حيث تعد الآنسة فادية الطباع من مؤسسات مدرسة الدر المنثور في عمان والتي تركز بشكل أساسي على تحفيظ القرآن وعلى تعميم نهج القبيسيات.
وفي فلسطين حملت الحاجة فدوى حميض وهي من عائلة مرموقة بمدينة نابلس راية الحركة بعد ان تعرفت على الداعية او الآنسة منيرة القبيسي في دمشق حيث درست اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق. وقد عملت الحاجة فدوى حميض على تطبيق تلك التجربة بعد عودتها إلى فلسطين مع إضافة بعض التعديلات. وانتشرت في مصر عدة أخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن وجود آنسات قبيسيات في مصر يعملن تحت اسم جمعية الزهروان ورئيسة هذه الجمعية هي زوجة أحد كبار المسؤولين في نظام حسني مبارك، وتسيطر هذه الجمعية على مساجد كبيرة ومهمة يرتادها الأغنياء فقط بهدف جمع الأموال لدعم دعوتهم، مع الإشارة إلى أن جمعية الزهروان المصرية لا تلزم عضواتها بزي معين كقبيسيات سورية وللجمعية أيضاً العديد من النشاطات الموجهة للذكور.
ثمة مآخذ على القبيسيات بأنهن لا يعملن إلا مع النساء، وبأن درجة السرية صارمة، وبأنهن يعاقبن من تقرر الانسحاب من هذه الجماعة، ويأخذ عليهم البعض أن قياداتهن غير متزوجات وهذا سبب تلقبيهن بالآنسات، وهن يطالبن عضواتهن بعدم التعري أمام الزوج أو بعدم النوم قرب الحائط لأنه مذكر وبضرورة الاحتشام بالملبس حتى داخل البيوت، كما يؤخذ عليهن الحفلات الضخمة والهدايا الباذخة للطفلات المتحجبات حديثاً والموالد الاستعراضية والتي تبجل وتقدس أولي الأمر وأصحاب المراكز الرفيعة، كما يشار بالبنان إلى مصادر دخلهن القوية والتي يحصلون عليها فيما عدا الموارد السنوية من أقساط التسجيل في المدارس الخاصة إلى الزكاة والصدقات التي تضعها العضوات البارزات من العائلات الغنية في موارد الجماعة بعد الحصول عليها من آبائهن وعائلاتهن بحكم أن الأقربون أولى بالمعروف وبحكم أن الصدقات والزكاة تذهب لجهة معروفة وموثوقة جداً.
ويبقى السؤال الأهم، هل القبيسيات تنظيم سياسي؟ وما الفوارق بين العمل السياسي والعمل الدعوي؟ وهل اقتصار القبيسيات على العمل بين النساء ومع النساء هو عمل نسوي بامتياز؟
القبيسيات-موقع السيدة
القبيسيات-موقع السيدة

القبيسيات يشتمن الغرب على أنه عدو يقتل روح الأمة، والحضارة على أنها تصبغ الحياة بالفجور، ويعتبرن كل دعوة من أجل مساواة النساء بالرجال في كافة الحقوق استهدافاً للأمة وأخلاقها، ويسعين لوصل النساء في المغترب أي بلاد الفتنة بالداعيات لكسر طوق الغربة وتثبيت الالتزام الديني.
يبدو وجه الصراع واضحاً ما بين خط علماني يطالب بمقاربة قضايا النساء وفق المقاربة الحقوقية مع بروز الدعوات الأممية لتخصيص عقد للمراة (1975/1985)، وما بين خط يثبت الشرع والنص الديني في صلب القانون وفي صلب الحياة المجتمعية.
إذن ما يبدو تنوعاً هو بالحقيقة فارقاً بليغاً في التعريف والنشأة والهدف، في اختيار العينة المستهدفة للعمل معها وفي تحديد آلية التمويل ومانحيه.
إن كان ثمة أهمية للاعتراض الجماهيري المعلن للمرة الأولى بصوت عال ومن فئات مختلفة على نشأة القبيسيات وتفردهن بالعمل المحمي أو المسكوت عنه، فهو التأكيد على أن تحييد أي جسم يقوم على مرجعية دينية هو أحد وأهم الأسس لمنح فرصة الحياة للمقاربة الحقوقية لقضايا النساء، والتي عبرها وحدها سيكون الوعي ويتكون، ومن خلالها يصبح السعي مجدياً وذو قيمة، خاصة في بلد تعصف فيها الحرب بشدة وتتفوق نساؤه حتى بالعدد على رجاله الغائبين والمغيبين.
ثمة قائل بأن القبيسيات عرفن بمهارتهن وإصرارهن على الوصول إلى مراكز الدعم لهن عبر وجود أناس بمراكز القرار مثل مجلس الشعب أو في وزارة الأوقاف يحميهن ويؤمن لهن التراخيص اللازمة للعمل، مما أمن حالة من الاستفراد الظاهر والقوي بالعمل بين النساء، وكل القول هنا هو تأكيد فعلي لغياب الضفة الأخرى من دائرة الفعل وحتى من حيز الوجود، فهل نالت النساء العلمانيات ذات التجربة لنتمكن من الحكم على الإصرار والمهارة والعناد؟
في التوصيف الظاهري لا متسع من التحليل، وما أعلن وأذيع هو غيض من فيض لحلقة تبلغ درجة التكتم البنيوي والداخلي حدها الأقصى، لكنه عرض لما توفر من معلومات ومحاولة للتمييز.

وحيدة النمر

المصدر: مجلة سيدة سوريا

The post القبيسيات.. منظمة نسوية أو دعوية؟ appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد