النسوية كمغامرة
موقع السيدة -

تكتبها لمجلة سيدة سوريا- هند سالم (نسوية علمانية مصرية)

“كنت أعرف أن هناك سؤالاً أولياً يفرض نفسه: ما الذى كان يعنيه بالنسبة لى كوني امرأة؟”[i] سيمون دي بوفوار

إن هذا السؤال الذى طرحته سيمون دي بوفوار هو الذى يخلق الوعي الأولي لدى النساء بخصوص موقعهن، لكنه ليس السؤال الأوحد، هناك أسئلة أخرى تحدد موقع النساء منها؛ ما هو طبقي، وعرقي، وديني، وجغرافي… الخ. وأظن أنى لم أكن على وعي بكل هذه الأسئلة التي تحدد موقع النساء فى المجتمع، والتي تتشكل منها علاقات القوى التي تؤثر على حياتهن. ولم اكتسب هذه المعرفة إلا فى مرحلة لاحقة، فقد كنت أظن أن الهوية القائمة على النوع هى ما يتحدد على أساسها  كل أشكال  القهر والتمييز. هذه كانت بداية إدراكى لموقعى كإمرأة وأراها الآن معرفة منقوصة.

تطور وعيي بالنسوية أو على وجه التحديد بالنسوية العلمانية حينما عملت بإحدى المنظمات النسوية وهى “المرأة الجديدة”، الأمر الذي أتاح لي القدرة على التطور النظري المبني على الواقع. إن تطور الوعي لا يأتي – فى ظني- من القراءة والمناقشة فقط، هناك جانب آخر فى غاية الأهمية وهو الإقتراب من النساء والعمل معهن والإلتحام بقضاياهن، وهذا الأمر لا يتأتى إلا من خلال عمل منظم سواء كان رسمياً أو غير رسمي، لذا يُعتبر الحق في التنظيم من الحقوق الهامة لأنه يمثل مقاومة منظمة جماعية لا تتيح للفئات المهمشة القدرة على إدراك واقعها وممارسات السلطة اتجاهها  فقط، لكنه يعمل أيضاً فى بناء قدرتها  للدفاع عن حقوقها،  لذا ليس من الغريب أن تنتهكه السلطة (الحق فى التنظيم) لأنه خطر على وجودها ويساهم فى تشكيل وعى مواطنين واعين لحقوقهم وقادرين على انتزاعها بأنفسهم دون تمثيل أو إنابة. خلال هذه الفترة تطور وعيي بما يسمى بسياسات الهوية وسياسات الموقع،  فالنساء ليسوا كتلة مصمته وإنما يمثلن أصواتاً مختلفة ومتنوعة تبعاً لمواقعهن المختلفة، فالجنس ليس هو المحدد الأساسي الذى يشكل خبرة التمييز والقهر لدى النساء، وإنما هناك عوامل أخرى تؤثر على هذه الخبرة كالطبقة والعرق واللون والدين … الخ وهذا ما يطلق عليه نظرية التقاطعية. وهى نظرية نسوية أسستها النسوية الأمريكية السوداء كيمبرلى كرينشو، والتي تعرفها على أنها عدسة، تستطيع من خلالها رؤية المصادر التي تأتى منها السلطة وتتصادم، وكيف تتداخل تلك المصادر وتتقاطع، وهذا يطرح أيضا قضية سياسات التمثيل (Politics of Representation) فمن من حقه التحدث بالنيابة عن النساء؟ أو بطريقة أخرى هل يحق لأحد أن يتحدث بالنيابة عن فئة محددة؟ إنها قضية جدلية منذ تسعينيات القرن الماضي وما زالت مطروحة على الساحة النسوية المصرية، فهناك نسويات ترى أنه لا يحق لأحد أن يتحدث عن النساء، أنهن الوحيدات القادرات على التعبير عن أنفسهن مع الوضع فى الإعتبار المواقع المختلفة التي تشغلنها داخل المجتمع. وهناك من تتبنى وجهة نظر جاياترى سبيفاك (وهن قليلات فى ظني) حينما تجد أن السؤال المحوري هنا لا يتعلق بمن له الحق فى التحدث باسم من، وإنما من سينصت لما يُقال؟ فسبيفاك هنا تسلط الضوء على الوساطة التي تقوم بها اللغات والخطابات بحيث تتدخل فى عملية نقل المعنى بين المتحدث والمستمع، ومن ثم يصبح التحدي الذى تواجهه المجموعات المهمشة التي تسعى الى إمتلاك صوتها للتعبير عن وجهة نظرها هو: كيف نتفادى خطر تحويل صوت المهمشين إلى وجود رمزى غير فاعل؟ كيف نتجنب الأنساق المتماثلة التي تكمم الأصوات المختلفة وتحبسها فى قوالب جاهزة ومهيمنة؟ فسبيفاك لا تستبعد التمسك ببعض التعريفات الاستراتيجية للهوية، ولكنها تؤكد على ضرورة بناء وعي نقدي مدرك للتحديات التي يواجهها[ii]، وفى الحقيقة أنا أتبنى وجهة نظر سبيفاك بخصوص سياسات الهوية، فإمتلاك شرعية التحدث لا يتأتى من انتماءٍ أصيلٍ للثقافة أو العرق أو النوع مع التأكيد على ضرورة توخى الحذر الشديد للموقع الذى نتحدث منه والإعتراف بإختلاف وخصوصية السياق السياسي والإجتماعي والإقتصادي والجغرافي، لكن أيضاً دعني أؤكد على أن هذا التنوع والتعددية لا يمنع سبل التضامن النسوي بناءً على القضايا المشتركة بينهن فى السعي لتحقيق العدالة والمساواة بين الجنسين.

ليس من السهل على المرأة أن تُعَرف نفسها فكرياً وسياسياً بأنها نسوية فى مجتمع كمجتمعنا، فهي هوية غير مستقرة ومقلقة (كما هو الحال عادة بالنسة لأية هوية)، إلا أنها هوية مطلوب منها دوماً شرح ذاتها كما تقول أوما نارايان[iii]، فدائماً ما أدافع عن كوني نسوية وبأنى لست ضد الرجال وعليّ توضيح أن النسوية صراعها الأساسي مع السلطة الأبوية في المجتمع بكل تمثلاتها، وأحياناً عليً أن أثبت بأني لست مجنونة، أو مخيفة. إن الإتهامات التي تطلق علينا كنسويات لا حصر عليها، ومؤخراً بعد تصريح وإعلان عدد من الشابات المصريات عن حوادث تحرش متورط فيها شخصيات سياسية وعامة أصبح يطلق علينا بأننا “مهووسات”، وغير “متزنات” وكل هذا لأننا قمنا برفع الغطاء عن حوادث كان يتم التغاضي عنها تحت دعاوي عديدة منها؛ أهمية تماسك الجماعة السياسية أو الحقوقية، أو عدم المساهمة فى تلويث سمعة شخص ما محسوب على الثورة وإعطاء فرصة للأمن للتدخل وإستغلال الموقف. وبالرغم من أن مثل هذه المواقف هي في حقيقة الأمر مواقف شديدة التعقيد، إلا أن حلها لا يتم أبداً بالسكوت عليها وإعتبارها أمراً داخليًا يمكننا حله وسط الجماعة ذات الإنتماء العقائدي الواحد.

إن ظاهرة التحرش الجنسي فى مصر قديمة قدم الأبوية كنظام اجتماعي، على حد تعبير الدكتورة “هالة كمال[iv]“، إلا أنها زادت وانتشرت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، واتخذت شكلاً منظماً فى أكثر من مناسبة لكنها تجلت بشدة أثناء الثورة، وكانت تستخدم لإجبار النساء المصريات على العودة للمنزل  وعدم استكمال مشاركتها فى الثورة، وقد أدى هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى كثيرة إلى انتشار التحرش الجنسي ضد النساء فى الشارع وداخل المؤسسات الأمر الذى دفع العديد من الشابات الى مواجهة  هذه الظاهرة إما بإتخاذ الشكل القانوني للإبلاغ عن حوادث التحرش، وهناك حالات كثيرة حصلت فيها الناجية على حقها من المتحرش  (خاصة بعد اصدار قانون التحرش الجنسى الذى تم اقراره عام 2014) أو استخدام وسائل التواصل الإجتماعي كآلية للمقاومة من خلال رفع فيديوهات لفضح المتحرش أو الإعلان عن اسماء بعينها متورطة فى مثل هذه الحوادث. إن ما تقوم به النسويات الشابات فى مصر لمواجهة ظاهرة التحرش وكل أشكال العنف الجنسي والسيطرة لهو أمر يدعو للفخر، ففى ظني أنهن أكثر جرأة من الجيل السابق فى مواجهة السلطات الأبوية، كما أن الثورة والتطور الهائل في التكنولوجيا ووسائل الاتصال الرقمية مكنتهن من توسيع آليات مقاومتهن وجعلها أكثر فاعلية.

هناك مجموعة من الأسئلة غالباً ما تشغلني وهي؛ كيف يمكننا تقريب مفاهيم وأخلاقيات النسوية من النساء والفتيات البسيطات؟ كيف يمكن أن تكون النسوية ملاذاً لهن يستمدن منه آليات مقاومتهن؟ كيف يتمتعن بالقدرة على تحديد موقعهن فى المجتمع وتحليل علاقات القوى المتشابكة التي تؤدي الى التمييز ضدهن ووضعهن فى مكانة أدنى، وكيف يتمكن من تمثيل أنفسهن؟ وللإجابة على هذه الأسئلة قمت بتجربة تحمل الكثير من المغامرة، فقد كونت مجموعة من الشباب والشابات غير المهتمات بالعمل النسوي عام 2014 (الذين نلقاهم فى وسائل المواصلات والجامعة والشارع) وتخطيط لهم/هن برنامج يرتكز على المفاهيم ومباديء العمل النسوي من خلال نادى الفيلم الذى نعرض من خلاله أفلام ويتم مناقشتها من منظور نسوي، كذلك نادى القراءة لمناقشة المصادر النسوية والروايات، وتدريبات لبناء قدراتهم/هن التنظيمية والمفاهيمية. حينما أستعرض الآن هذه التجربة، أجدها مغامرة ممتعة، فقد كنا دائماً فى حالة نقاش وشد وجذب وتطوير لأفكارنا وإثراء لتجاربنا. وتشابكت الموضوعات التي نتناولها مع خبراتنا الشخصية وساهمت في إعادة نظرنا في المسارات التي نسلكها. فالمجموعة التي قاربت على ثلاثين شاب وشابة وتنوعت مواقعها الطبقية والدينية والجغرافية ساهمت كثيراً فى تطوير أدواتي للعمل مع أفراد المجتمع والخروج من دائرة النخبة إلى ملامسة أفكار الأفرد العاديين والعمل معهم لإكتشاف المناطق المعتمة داخل كلاً منا، والتي تتسبب فى تكوين رؤية أحادية للعالم، فقد كانت المدرسة النسوية فضاءً للتعلم والممارسة ولتطبيق مباديء العمل النسوي، وتقريب هذه المباديء للنساء في المجتمعات المهمشة والفقيرة. انتشرت خلال السنة الثانية علي مستوى ثلاث محافظات داخل مصر وأصبح هناك مدارس نسوية محلية داخل مناطق كان من الصعب ذكر كلمة نسوية داخلها لما تحمله المفردة من دلالات سلبية لدى الأفراد العاديين. ففي الصعيد على سبيل المثال كانت الفتيات ترسمن جرافيتى حول قضية ضرب البنات على حوائط إحدى القرى. للأسف لم تستمر المدرسة نظراً لظروف خارجة عن إرادتنا ولها علاقة بالظرف السياسي فى مصر. بعد توقف المدرسة النسوية فى مصر قمت بنقل هذه التجربة إلى الأردن مع فتيات داخل محافظات مختلفة بعيدة عن عمان وما زالت التجربة مستمرة  معهن حتى هذه اللحظة.

أخيرا أرى أن الحركة/ الحركات النسوية المصرية بكل أطيافها لديها الكثير من التحديات التي عليها مواجهتها لكن يبقى أنها استطاعت أن تفرض نفسها وتوسع مساحتها وتطرح قضايا النساء بقوة فى المجال العام وكلي ثقة بأنها قادرة على انتاج آليات مواجهتها المبتكرة لتحقيق اهدافها.

 

 

 

 

 

[i] – سيمون دو بفوار، قوة الأشياء

[ii]  هدى الصده: مقدمة كتاب أصوات بديلة 2002، المشروع القومي للترجمة، ص18

[iii] – أوما نارايان: معارضة الثقافات، كتاب أصوات بديلة ( المرجع السابق)، ص2015

[iv] – هالة كمال: أستاذة الأدب الإنجليزي ودراسات الجندر بآداب القاهرة، وباحثة نسوية بمؤسسة المرأة والذاكرة

المصدر: مجلة سيدة سوريا

The post النسوية كمغامرة appeared first on موقع السيدة.



إقرأ المزيد